بقلم الدكتورة: أمينه درغام
الاستماع... مهارة يتحدث عنها القليل ويحتاجها الجميع
في عالمٍ يزداد فيه الضجيج، ويحرص فيه الجميع على أن يُسمَع صوته، أصبحت مهارة الاستماع من أكثر المهارات ندرة، رغم أنها من أكثرها تأثيرًا في بناء الإنسان ونجاح العلاقات. فالكثيرون يتقنون الحديث، لكن القليل من يتقنون الإنصات.
إن الاستماع ليس مجرد الصمت أثناء حديث الآخرين، بل هو حضورٌ ذهني، واحترامٌ للمشاعر، ورغبة صادقة في الفهم قبل الرد. إنه رسالة غير منطوقة تقول للطرف الآخر: "ما تقوله مهم، وأنت تستحق أن أستمع إليك."
ولعل من أجمل صفات الإنسان الواعي أنه لا يتعجل في الإجابة، ولا يقاطع الحديث، ولا يُعدُّ رده بينما الآخر ما زال يتحدث. فهو يدرك أن الإنصات الجيد قد يحل خلافًا، ويخفف ألمًا، ويمنح إنسانًا شعورًا بالتقدير لا تصنعه الكلمات وحدها.
وفي الأسرة، يكون الاستماع أساسًا لبناء الثقة بين الآباء والأبناء، وبين الزوجين، لأن كثيرًا من المشكلات لا تنشأ من قلة الحب، بل من قلة الفهم. فالإنسان يحتاج أحيانًا إلى من يسمعه أكثر من حاجته إلى من يقدم له الحلول.
وفي بيئة العمل، يساهم الاستماع في تعزيز التعاون، وتقليل سوء الفهم، وتحسين جودة القرارات. فالقائد الناجح لا يقود فريقه بالأوامر فقط، بل بقدرته على الإنصات إلى الأفكار، واحترام الآراء، وإشراك الجميع في صناعة النجاح.
أما في المجتمع، فإن ثقافة الاستماع تفتح أبواب الحوار، وتقلل من التعصب، وتمنح الناس فرصة للتعبير عن آرائهم في جو يسوده الاحترام. فحين نستمع بصدق، نكتشف أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن لكل إنسان تجربة تستحق أن تُفهم قبل أن تُحكم.
وللأسف، فرضت علينا سرعة الحياة ووسائل التواصل عادة الرد السريع، حتى أصبح كثيرون يقرأون ليجيبوا، لا ليفهموا، ويستمعون ليعارضوا، لا ليتعلموا. وهنا نفقد قيمة من أعظم قيم التواصل الإنساني، وهي الإنصات الواعي.
إن الاستماع مهارة يمكن تنميتها، تبدأ بأن نمنح المتحدث وقتًا كافيًا، وننظر إليه باهتمام، ونتجنب المقاطعة، ونسأل لفهم المعنى، لا لإثبات الرأي. فكل حوار ناجح يبدأ بمستمع جيد، وكل علاقة قوية تقوم على الفهم المتبادل قبل كثرة الكلام.
وفي الختام...
ليس الإنسان الحكيم هو من يتحدث كثيرًا، بل من يعرف متى يتحدث، وكيف يستمع. فالاستماع ليس موقفًا سلبيًا، بل فعلٌ واعٍ يعكس النضج، ويقوي العلاقات، ويصنع جسور الثقة بين الناس.
فلنجعل الاستماع عادةً قبل أن يكون مهارة، لأن الكلمة الطيبة تُسعد القلوب، أما الإنصات الصادق فيمنحها شعورًا بأنها مفهومة ومقدرة. وحين نحسن الاستماع، نكون قد خطونا خطوة جديدة في بناء الإنسان، ومن بناء الإنسان تبدأ نهضة الأوطان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق