بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان
هناك أشياء لا تُكتب في عقود الميراث، ولا تنتقل عبر الأوراق الرسمية، لكنها قد تنتقل من جيل إلى جيل بصورة أخطر من المال والممتلكات؛ إنها السلوكيات والعادات والجروح النفسية وطريقة التعامل مع الآخرين. فالطفل لا يولد وهو يحمل نسخة من شخصية أبيه، لكنه ينظر ويستمع ويلاحظ ويقلد، ومع مرور السنوات قد يصبح ما شاهده داخل بيته جزءًا من تكوينه وطريقة تفكيره وتعاملاته.
فالطفل الذي يرى والده يتعامل مع أمه وأفراد أسرته بالقسوة والإهانة والعنف، قد يتعلم دون أن يدرك أن هذه هي الطريقة الطبيعية للتعامل داخل الأسرة. وإذا رأى الأب يصرخ ويهدد ويستخدم القوة لحل المشكلات، فقد يكبر وهو يعتقد أن القوة هي الوسيلة الأسرع لفرض الرأي، ثم يعيد إنتاج السلوك نفسه عندما يصبح زوجًا وأبًا.
وهنا تبدأ العقدة التي تتوارثها الأجيال؛ فالأب قد يكون قد ورث بدوره هذا السلوك من أبيه، والابن قد يرثه منه، ثم ينقله إلى أبنائه، لتستمر دائرة مؤلمة لا يعرف أحد أين بدأت ولا متى ستنتهي. والأسوأ أن بعض الآباء يبررون أخطاءهم بعبارات مثل: «أنا اتربيت كده»، وكأن ما تعرضوا له في طفولتهم يمنحهم الحق في تكراره على أبنائهم.
لكن الأبناء ليسوا جميعًا نسخة واحدة من آبائهم. فهناك ابن يقلد ما رأى، وهناك ابن آخر يتخذ موقفًا معاكسًا تمامًا، فيقول لنفسه: «لن أكون مثل أبي أبدًا». وهذا الموقف قد يكون في ظاهره إيجابيًا، لكنه إذا لم يصاحبه وعي ونضج فقد يتحول هو الآخر إلى عقدة؛ فيعيش الإنسان طوال حياته في حالة هروب من صورة أبيه، ويقيس كل تصرفاته على أساس ألا يشبهه، بدلًا من أن يبني شخصيته بصورة مستقلة ومتزنة.
والحقيقة أن كلا الطريقين يحتاج إلى وعي: التقليد الأعمى للأب مشكلة، والهروب الأعمى من الأب مشكلة أيضًا. المطلوب ليس أن يصبح الابن نسخة من أبيه، ولا أن يقضي عمره في مقاومته، وإنما أن يتعلم كيف يميز بين السلوك الصحيح والخاطئ، فيأخذ من والديه ما يستحق أن يُورث من قيم وأخلاق، ويترك ما يجب أن ينتهي عند جيلهم.
إن الأسرة هي أول مدرسة يتعلم فيها الطفل معنى الاحترام والرحمة والمسؤولية. وقبل أن نطلب من المدرسة أن تعلم أبناءنا الأخلاق، علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا يشاهد الطفل في المنزل؟ هل يرى أبًا يحترم أمه ويحتوي أبناءه؟ أم يرى صراخًا وإهانة وعنفًا؟ هل يرى أمًا تتعامل بالحكمة والاحترام؟ أم يرى النزاع المستمر والخصام والانتقام؟
إن أخطر ما يفعله الأب والأم ليس ما يقولانه لأبنائهما، وإنما ما يفعلانه أمام أعينهم؛ لأن الطفل قد ينسى النصيحة، لكنه يتذكر المشهد. وقد لا يفهم الكلام وهو صغير، لكنه يخزن طريقة التعامل في داخله، ثم يعيد استخدامها عندما يكبر دون أن يدرك أنه أصبح يمارس السلوك الذي كان يؤلمه في طفولته.
ومن هنا، فإن تربية الأبناء مسؤولية تبدأ من إصلاح الكبار لأنفسهم. لا يمكن أن نطالب طفلًا بالهدوء ونحن نصرخ أمامه، ولا يمكن أن نعلمه احترام الآخرين ونحن نهين من يعيشون معنا، ولا يمكن أن نطالبه بالرحمة ونحن نستخدم القسوة كأسلوب دائم داخل المنزل. التربية الحقيقية تبدأ عندما يدرك الأب والأم أن كل تصرف يصدر منهما قد يصبح درسًا عمليًا في حياة أبنائهما.
كما أن الدين والقيم والتقوى يجب ألا تكون مجرد كلمات تُقال للأبناء، وإنما سلوكًا يرونه في والديهم؛ فالصدق، والأمانة، والرحمة، وضبط الغضب، وبر الوالدين، واحترام الزوجة، وحسن معاملة الأبناء، كلها دروس لا تحتاج إلى سبورة أو كتاب، وإنما تحتاج إلى قدوة حقيقية.
ومن هنا نوجه رسالة جريئة إلى كل أب وأم: لا تستهينوا بما تفعلونه أمام أطفالكم. قد تعتقد أن مشاجرتك داخل المنزل ستنتهي بانتهاء المشكلة، لكنها ربما تبدأ في عقل طفلك حياة كاملة من الخوف أو العنف أو الاضطراب في العلاقات. وقد تظن أن قسوتك ستجعله قويًا، بينما أنت في الحقيقة قد تعلمه أن القسوة هي الطريق الوحيد للحياة.
ونحن لا نطالب الأسرة بالمثالية؛ فلا يوجد بيت يخلو من الخلافات والأخطاء، ولكن هناك فرقًا كبيرًا بين خلاف طبيعي يُدار بالحوار والاحترام، وبين بيئة مستمرة من الإهانة والعنف والقسوة. وإذا أخطأ الأب أو الأم أمام أبنائهم، فإن الاعتذار وتصحيح الخطأ ليس ضعفًا، بل درس عظيم يتعلم منه الطفل أن الإنسان يستطيع أن يراجع نفسه ويصلح ما أفسده.
وفي النهاية، علينا أن نتذكر أن الأبناء أمانة وليست مرآة لأخطائنا. وما نزرعه فيهم اليوم قد يصبح سلوكًا في بيوتهم غدًا، ثم ينتقل إلى أحفادنا من بعدهم. فلنترك لهم إرثًا من الرحمة بدلًا من القسوة، ومن الاحترام بدلًا من الإهانة، ومن الحوار بدلًا من العنف، ومن الدين والتقوى والخير بدلًا من الخوف والكراهية.
فليس كل ميراث مالًا وعقارًا.. هناك ميراث أخطر اسمه السلوك.
وإذا كان الأبناء يرثون منا شيئًا لا إراديًا، فلنجعل ما يرثونه منا يستحق أن يُورث.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق