الأحد، 30 أغسطس 2026

أحيانًا لا تكون المشكلة في نقص الاستثمار، وإنما في اختيار المكان الخطأ للاستثمار.

وهذه نقطة تستحق إعادة النظر فيها، خصوصًا مع توسع الدولة في إنشاء مناطق صناعية جديدة وطرح أراضٍ للمستثمرين.
فالأرض الصناعية ليست مجرد مساحة بالمتر المربع.
قيمة الأرض الحقيقية تتحدد بما حولها: المرافق، والطرق، والنقل، والعمالة، والموردون، والعملاء، والموانئ، والخدمات، وحتى وجود صناعات أخرى يمكن أن تتكامل معها.
قد يحصل المستثمر على أرض بسعر منخفض، لكنه يكتشف بعد ذلك أن تكلفة نقل الخامات إلى المصنع مرتفعة، أو أن العمالة المتخصصة بعيدة، أو أن الوصول إلى الميناء يستغرق ساعات إضافية.
وفي المقابل، قد تكون أرض أغلى نسبيًا لكنها توفر للمصنع منظومة متكاملة تخفض تكلفة التشغيل لسنوات.
لذلك فإن السؤال الصحيح ليس:
كم سعر متر الأرض؟
بل:
كم ستكلفني هذه الأرض حتى يصبح المصنع قادرًا على الإنتاج والمنافسة؟
وهنا تظهر أهمية مفهوم التجمعات الصناعية.
من الأفضل ألا ننظر إلى المنطقة الصناعية باعتبارها مجموعة من الأراضي بجوار بعضها، وإنما باعتبارها منظومة اقتصادية.
مصنع ينتج البلاستيك يحتاج إلى مصانع للعبوات والمكونات.
مصانع الأغذية تحتاج إلى التعبئة والتغليف والتبريد والنقل.
صناعة السيارات تحتاج إلى عشرات الموردين.
الإلكترونيات تحتاج إلى مكونات وخدمات اختبار وتجميع وصيانة.
كلما اقتربت هذه الأنشطة من بعضها، انخفضت تكاليف النقل، وتسارعت عمليات التوريد، وظهرت فرص تعاون بين الشركات.
وهذا ما يجعل المصنع المجاور للمصنع الآخر أكثر قيمة من مجرد قطعة أرض مجاورة.
لكن بناء التجمع الصناعي يحتاج إلى تخطيط مسبق.
ليس من المنطقي أن نخصص مئات الأفدنة للصناعة ثم نترك توزيع الأنشطة للسوق وحده دون رؤية.
يمكن أن نحدد مناطق متخصصة للغذاء، وأخرى للهندسة، وأخرى للكيماويات، وأخرى للإلكترونيات، بحيث تنشأ حول كل قطاع شبكة من الموردين والخدمات.
وهنا يمكن أن تلعب الدولة دورًا مهمًا، ليس بإدارة المصانع، وإنما بتصميم البيئة التي تجعل المصانع تنجح معًا.
كما يجب أن يدخل عامل التصدير في تصميم المنطقة منذ البداية.
إذا كانت المنطقة قريبة من ميناء، فمن المنطقي أن تستهدف الصناعات الموجهة للتصدير.
وإذا كانت قريبة من مركز استهلاك ضخم، فقد تكون مناسبة لصناعات أخرى.
وإذا كانت قريبة من مصدر خام معين، فقد يكون من الأفضل بناء سلسلة القيمة حول هذا الخام بدلًا من نقله لمسافات طويلة.
أي أن الموقع يجب أن يتبع اقتصاد المشروع، وليس العكس.
وهنا أعتقد أن مصر أمام فرصة مهمة.
فالتوسع في الأراضي الصناعية يمكن أن يتحول من مجرد زيادة المعروض من الأراضي إلى إعادة رسم الخريطة الصناعية نفسها.
نريد أن نعرف قبل تخصيص الأرض:
ما الصناعة التي نريدها هنا؟
من مورّدوها؟
أين ستبيع؟
كيف ستنقل خاماتها؟
أين ستذهب منتجاتها؟
وما الصناعات التي يمكن أن تنشأ حولها؟
عندها لن تكون المنطقة الصناعية مجرد صفوف من المصانع.
ستصبح منظومة إنتاج.
وفي النهاية، قد ينجح مصنع في أرض رخيصة، لكن المصنع الذي يعيش داخل منظومة صناعية متكاملة لديه فرصة أكبر بكثير في خفض تكلفته والتوسع والتصدير.
لذلك عندما نتحدث عن جذب المستثمرين، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط:
«هل لدينا أرض صناعية؟»
بل:
«هل لدينا المكان الذي يجعل المصنع أكثر قدرة على المنافسة؟»
لأن الأرض تبني المصنع…
لكن المنظومة هي التي تبني الصناعة.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot