بقلم/ امل صالح سليم
خلف شاشة هاتف صغيرة قد تبدأ الحكاية بكلمة عابرة "أهلا.. إزيك؟"
صداقة افتراضية غرفة شات صوتية شخص يبدو ودودا وآخر يبحث عن مساحة للحديث أو التعارف.
لكن في بعض الحالات لا تكون البداية بريئة كما تبدو وإنما تكون الخطوة الأولى في طريق طويل من استغلال المشاعر جمع المعلومات الابتزاز، النصب والسيطرة.
هنا يظهر الوجه الآخر للسوشيال ميديا وجه لا يعتمد على السلاح التقليدي وإنما على الحسابات الوهمية التسجيلات، الصور، الأسرار، التهديد، والتشهير.
من الصداقة إلى السيطرة
تبدأ بعض الأساليب باستدراج الضحية عاطفيا.
اهتمام زائد، كلمات محسوبة، ادعاء الصداقة أو الحب، ثم محاولة معرفة التفاصيل الشخصية الدقيقة. ومع مرور الوقت تتحول المعلومات التي تم الحصول عليها في لحظات ثقة إلى أوراق ضغط.
وحين يشعر الطرف الآخر أنه أصبح محاصرا تبدأ مرحلة جديدة
"لو ما عملتش اللي أنا عايزه.. هفضحك."
هنا لم تعد العلاقة علاقة صداقة أو تعارف وإنما أصبحت محاولة للسيطرة.
غرف الشات.. عندما يتحول الصوت إلى أداة ضغط
غرف الدردشة الصوتية قد تصبح بيئة خصبة لبعض الممارسات المؤذية.
تنمر على أشخاص بعينهم تشويه سمعة، تحريض، استدراج، نشر أفكار وعقائد بصورة عدوانية أو مضللة، استغلال المشاعر، ومحاولات التأثير على الآخرين من خلال الضغط الجماعي.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية:
عندما تتحول غرفة الدردشة من مساحة للحوار إلى مساحة للسيطرة.
أخطر مرحلة.. عندما تفضحهم
لكن ماذا يحدث عندما يظهر شخص يقرر ألا يصمت؟
في بعض الحالات، بدلا من الرد بالحجة، تبدأ محاولات إسكات المتصدي.
حسابات تهاجمه، أشخاص يدخلون لمضايقته، اتهامات وتشويه، تهديدات مباشرة أو غير مباشرة، ومحاولات لإقناعه بأن وراء الشخص الذي يكشفه "ناس تقيلة" أو أصحاب نفوذ يستطيعون الوصول إليه.
وهنا نكون أمام أخطر تحول:
من الدفاع عن الخطأ إلى مهاجمة من كشف الخطأ.
فالضحية عندما يصدق أن من أمامه يمتلك نفوذا حقيقيا قد يتراجع عن تقديم شكوى أو نشر الأدلة أو حتى الحديث عما تعرض له.
وهكذا يصبح الخوف نفسه أداة من أدوات السيطرة.
لماذا يخافون من الشخص الذي يكشفهم؟
لأن كشف الأسلوب قد يفسد "المصلحة".
كل عملية نصب يتم كشفها تعني ضحية أقل.
وكل عملية ابتزاز يتم إحباطها تعني ورقة ضغط ضاعت.
وكل شخص يخرج للحديث عن تجربته قد يمنع عشرات الأشخاص من الوقوع في الفخ نفسه.
لذلك يصبح الشخص الذي يكشف الأساليب الملتوية، في نظر أصحاب المصالح غير المشروعة، أخطر من الضحية نفسها.
ليس لأنه ارتكب جريمة، وإنما لأنه يعطل اللعبة.
وهذه هي أخطر نقطة في الظاهرة:
السوشيال ميديا ليست فوق القانون
المشكلة ليست في مواقع التواصل ولا في غرف الشات نفسها.
فالمساحة الرقمية يمكن أن تكون وسيلة للتعلم والتعارف والنقاش وتبادل الخبرات.
لكن عندما تدخل إليها ممارسات مثل الابتزاز والتهديد والتشهير والاحتيال، فإنها لم تعد مجرد "مشاكل على الإنترنت".
بل تصبح أفعالا يجب التعامل معها بجدية، وتوثيقها والإبلاغ عنها للمنصة والجهات المختصة بحسب طبيعة الواقعة.
الدليل أقوى من الصراخ، والتوثيق أقوى من الخوف.
السؤال الذي يجب أن نطرحه
كم شخصا تعرض للابتزاز وسكت خوفا من الفضيحة؟
وكم شخصا تعرض للنصب ولم يتحدث لأنه صدق تهديدات من نوع "إحنا نعرف ناس واصلة"؟
وكم شخصا شاهد تجاوزا في غرفة شات، لكنه فضل الصمت لأنه لا يريد أن يصبح الهدف التالي؟
فالميديا قد تكون عالما افتراضيا.. لكن الأذى الذي يحدث داخلها قد يكون حقيقيا جدا.
والرسالة الأهم:
لا تخاف ممن يهددك بأنه "واصل".. إذا كان هناك جرم، فالقانون هو صاحب الكلمة الأخيرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق