بقلم/ امل صالح سليم
في الوقت الذي اعتاد فيه رواد مواقع التواصل الاجتماعي على مشاهدة مقاطع لحوادث يتجمع حولها البعض حاملين هواتفهم لتوثيق المشهد بينما يقف المصابون في انتظار من يمد لهم يد العون خرجت من قلب أحد الطرق المصرية واقعة مختلفة لتذكر الجميع بأن الشهامة لا تزال حاضرة وأن الإنسانية لا تزال تنتصر على حب المشاهدات و"التريند"
خلال الأيام الماضية أثار مقطع فيديو لسائق شاحنة يسند بسيارته شاحنة أخرى كانت على وشك الانقلاب جدلا واسعا وبين من صدق المشهد ومن اعتبره مجرد خدعة أو تركيبا بالفيديو ظهرت الحقيقة على لسان بطل الواقعة السائق عماد جلال ابن محافظة دمياط الذي روى تفاصيل ما حدث مؤكدا أن ما قام به لم يكن بطولة يبحث بها عن الشهرة بل تصرفا تلقائيا فرضه عليه ضميره وخبرته الطويلة على الطريق.
بحسب روايته لاحظ أن سيارة نقل محملة بالقطن بدأت تميل بصورة خطيرة بعد تعرضها لعطل فأدرك في لحظات أن تأخره في التصرف قد يحول الطريق إلى كارثة لم يتردد بل اقترب بشاحنته وأسند المركبة المهددة بالانقلاب حتى تمكنا معا من الوصول إلى مكان آمن لتنجو الأرواح قبل أن تتحول الواقعة إلى مأساة.
ورغم أن بعض المقاطع المتداولة أضيفت إليها مشاهد غير صحيحة فإن الجزء الأساسي الذي وثق عملية إسناد الشاحنة كان حقيقيا وهو ما أكده السائق بنفسه لينهي حالة الجدل التي صاحبت انتشار الفيديو.
لكن أهمية هذه الواقعة لا تكمن فقط في إنقاذ شاحنة من الانقلاب وإنما في الرسالة التي حملتها ففي زمن أصبحت فيه الكاميرا عند البعض تسبق مد يد المساعدة جاء هذا المشهد ليؤكد أن هناك من يختار الفعل بدلا من التصوير والمساعدة بدلا من الاكتفاء بالمشاهدة.
المؤلم أن كثيرا من الحوادث التي شهدناها خلال السنوات الأخيرة كشفت عن ردود أفعال سلبية أشخاص يلتفون حول الضحايا لتسجيل الفيديوهات أو بثها مباشرة بينما تمر الثواني الحاسمة دون محاولة حقيقية لإنقاذ إنسان قد تكون حياته معلقة بتصرف بسيط.
ومن هنا تكتسب قصة عماد جلال قيمتها الحقيقية فهي ليست مجرد واقعة إنقاذ على طريق سريع بل نموذج مضيء وسط عشرات المشاهد السلبية التي أضعفت الإحساس بالمسؤولية المجتمعية لقد أعاد هذا السائق التذكير بأن البطولة لا تحتاج إلى كاميرات وأن الشهامة ليست كلمات تكتب على مواقع التواصل بل أفعال تتخذ في أصعب اللحظات.
كما حملت رسالة السائق أهمية لا تقل عن موقفه حين طالب زملاءه بعدم تحميل السيارات بأوزان زائدة حفاظا على أرواحهم وأرواح الآخرين مؤكدا أن الرزق لا يستحق المخاطرة بحياة البشر.
تبقى هذه الواقعة تذكرة بأن المجتمع لا يزال يملك نماذج تستحق التقدير وأن وسط زحام الأخبار المؤلمة تظل هناك مواقف إنسانية قادرة على إعادة الثقة في قيم النخوة والتكافل ورسالة واضحة لكل من يشاهد حادثا أحيانا يكون إنقاذ إنسان أهم كثيرا من تصوير المشهد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق