بقلم احمد منصور احمد غانم عضو المجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والتنميه
ولد شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني في مدينة حَرَّان أورفه شمال بلاد الشام، سنة 661هـ / 1263م لأسرة علمية، وهاجر مع أسرته إلى دمشق عقب إغارة التتار على حران في سنة 667 هـ . واستقرت الأسرة بدمشق وعمل أبوه عبد الحليم ابن تيمية بالتدريس في جامع دمشق الأموي وفي «دار الحديث السُّكَّرية». نشأ ابن تيمية في دمشق على طلب العلم، ويذكر المؤرِّخون أنه أخذ العلم من أزيدَ على مئتي شيخ في مختلِف العلوم، عاصر ابن تيمية غزَوات المغول على الشام، وقد كان له أثرٌ كبير في التصدِّي لها، ولم تمض سنون عديدة حتى قصد التتار دمشق، فخرج بوفد إلى معسكر التتار قرب النبك، ليأخذ لأهل دمشق الأمان، فالتقى سنة 699هـ / 1299م السُّلطانَ التتاري «محمود غازان» بخيمته في معسكره، وأخذ منه وثيقةَ أمان أجَّلت دخول التتار إلى دمشق زمنًا.
خاطب ابن تيمية غازان في مجلسه فقال:
"أنت تزعم أنك مسلم، ومعك مؤذنون وقاض وإمام وشيخ -على ما بلغنا- فغزوتَنا ودخلتَ بلادنا على ماذا؟ وأبوك وجدك هولاكو كانا كافرين، وما غزوَا بلاد الإسلام بل عاهدا فَوَفَيَا، وأنت عاهدتَ فغدرتَ، وقلتَ فما وَفَيتَ!"، ثم "قُرّب إلى الجماعة طعام فأكلوا منه إلا ابن تيمية.
فقيل له: ألا تأكل؟
فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتُم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس؟".
وكلّم ابن تيمية قازان كلامًا وصفه تلميذه الحافظ والمؤرخ ابن كثير بأنه "قويّ شديد".
عندها سأله كبيرُ المغول غازان : ما تَقولون في يزيد؟
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
لا نَسبُّه ولا نُحبه؛ فإنه لم يكن رجلا صالحا فنحبه، ونحن لا نسبُّ أحدا من المسلمين بعينه.
فقال غازان : أفلا تلعنونه؟
أما كان ظالما ؟
أما قتلُ الحسين؟
فقال ابن تيمية :
نحن إذا ذُكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله: نقول كما قال الله في القرآن : " ألا لعنةُ اللهِ على الظالمين" ولا نحب أن نلعنَ أحدا بعينه؛ وقد لعنهُ قومٌ من العلماء؛ وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد؛ لكن ذلك القول أحبُّ إلينا وأحسن.
وأما من قتل "الحسين" أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يقبلُ الله منه صَرفا ولا عَدْلا .
فقال غازان : فما تحبون أهل البيت؟
فقال ابن تيمية : محبتهم عندنا فرضٌ واجبٌ يُؤجر عليه؛ فإنه قد ثبت عندنا في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بغدير يُدْعَى خُمًّا بين مكة والمدينة فقال : "أيها الناسُ إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، فذكر كتابَ الله وحضَّ عليه ثم قال: وعترتي أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي أذكركم اللهَ في أهل بيتي" (حديث ضعيف).
ثم قال ابن تيمية لمقدم المغول: ونحن نقول في صلاتنا كل يوم : "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" . (آل محمد هم اتباعه من المؤمنين برسالته)
قال: فمن يُبغض أهل البيت؟
قال ابن تيمية: من أبغضهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صَرفا ولا عدلا.
ثم التفت ابن تيمية للوزير المغولي وقال له: لأي شيء تكلم هذا عن يزيد و هو تتري؟
قال له الوزير : قد قالوا له إن أهل دمشق نواصب!
فقال ابن تيمية بصوت عال ليسمع غازان : يكذب الذي قال هذا، ومن قال هذا: فعليه لعنة الله!
والله ما في أهل دمشق نواصب، وما علمت فيهم ناصبيا، ولو تَنَقّص أحدٌ عليًّا -رضي الله عنه- بدمشق لقام المسلمون عليه!
لكن كان قديما، لما كان بنو أمية ولاة البلاد، بعض بني أمية ينصب العداوة لعلي ويسبه. وأما اليوم فما بقي من أولئك أحد...
( مجموع الفتاوى 488/4 ).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق