فاجعة المريوطية: "فخامة الرئيس وجّه.. والمسؤولون تجاهلوا".. 40 كيلومتراً من الموت غرقاً أو تصادماً بين البدرشين والعياط
بقلم: سامح محمد رياض
مستشار اللجنة العليا لشؤون حقوق الإنسان
في مشهدٍ مهيب تدمع له القلوب وتتزلزل له المشاعر، وحزن يملا سماء منطقة البدرشين ومراكز جنوب الجيزة بالسواد، حيث خرج الآلاف من الأهالي في جنازة شعبية حاشدة لاستقبال وتشييع جثامين 7 أفراد من عائلة واحدة إلى مثواهم الأخير. عائلة كاملة هلكت في لحظة خاطفة، بعدما سقطت مركبتهم في مياه ترعة المريوطية أمام قرية "أبو صير"، لتحول الإهمال الصارخ إلى مأساة إنسانية هزت الرأي العام.
ولكن، خلف هذا الوداع المهيب حقيقة موثقة بالصوت والصورة، تكشف فجوة خطيرة بين عين القيادة السياسية التي ترصد وتأمر، وبين تراخي الجهاز التنفيذي الذي تسبب تقاعسه في إبادة أسرة كاملة.
الصورة الأولى: رصد رئاسي من فوق الدائري الأوسطي.. "أين الأمان؟"
تُعيد هذه الفاجعة إلى الأذهان لزيارة تفقدية سابقة للسيد رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي. في هذه اللقطة، كان الرئيس واقفاً في نقطة مرتفعة أعلى الطريق الدائري الأوسطي، وتحديداً فوق الكوبري الذي يتقاطع مع ترعة المريوطية.
ومن فوق هذا المحور القومي، التفت فخامته وبأمر حاسم أشار بيده مباشرة إلى الأسفل نحو الترعة والطريق البري المحاذي لها، موجهاً حديثه للمسؤولين عن الطرق والهيئة الهندسية: "إزاي ترعة المريوطية دي من غير حواجز؟ فين الأمان للناس اللي ماشية عليها؟".
حينها، جاء رد المسؤولين سريعاً وجاهزاً تحت الكاميرات: "تمام يا فندم.. حاضر يا فندم، هيتم عمل حواجز للترعة". لكن الواقع المرير أثبت أن كلمات "تمام يا فندم" تلاشت بمجرد مغادرة الموكب الرئاسي، وبقي الطريق بلا حواجز حتى دفع الأبرياء الثمن.
40 كيلومتراً من "مصيدة الموت": اختر موتتك بين العياط والبدرشين!
إن الكارثة لا تتوقف عند حدود قرية "أبو صير"، بل تمتد لتشمل شرياناً حيوياً استراتيجياً ممتداً لمسافة تقارب 40 كيلومتراً، يبدأ من البدرشين ويمتد حتى مركز العياط. هذا الطريق ليس مجرد ممر محلي، بل هو محور موازٍ لطريق أسوان الزراعي، ويربط حركة السير بمحاور عالمية كبرى كالدائري الإقليمي والدائري الأوسطي،، ودائري القاهرة الكبرى.
وعلى الرغم من هذه الأهمية القصوى، فإن الطريق مصمم بنظام "المزدوج المفتوح" (حارتين رايح جاي) دون أي حواجز خرسانية تفصله عن عمق ترعة المريوطية. هذا التصميم العشوائي يضع السائقين يومياً أمام معادلة مرعبة وخيارين كلاهما موت محقق:
الخيار الأول: الاصطدام المباشر وجهاً لوجه وبأقصى سرعة مع السيارة المقابلة في حال انحرافها.
الخيار الثاني: محاولة تفادي الاصطدام والمناورة، لتكون النتيجة الفورية هي السقوط الحر في عمق ترعة المريوطية، وهي ترعة من الاتساع والعمق بحيث لو سقط فيها أوتوبيس كامل لاختفى تماماً وغرق كل من فيه.
لقد باتت العبارة السائدة بين سائقي وأهالي البدرشين والعياط تختصر هذا الرعب اليومي:
"طريق المريوطية بيخيرك كل يوم: تموت مفروم جوة عربيتك في تصادم وجهاً لوجه.. ولا تموت غريق تحت المية؟"
الصورة الثانية: جنازة شعبية تصرخ وتطالب بالمحاسبة
تأتي الصورة الثانية لسيارات الإسعاف وهي تخترق الحشود البشرية في مدخل البدرشين لتضع حداً للكلام وتعلن بدء الحساب. إن هذه الجنازة المهيبة ليست مجرد مراسم دفن، بل هي صرخة شعبية تطالب بالعدالة والقصاص للأرواح التي زُهقت نتيجة "عدم تنفيذ الأوامر الرئاسية".
إن دماء ضحايا عائلة البدرشين السبعة، تقتضي اليوم تحركاً فورياً على مسارين لا تحتمل التأجيل:
المحاكمة العاجلة بتهمة الإهمال الجسيم: تحويل ملف هذا الطريق إلى النيابة العامة، ومحاسبة كل المسؤولين المقصرين – بدءاً من المحافظ إلى أصغر مسؤول بالوحدات المحلية وهيئة الطرق – الذين تقاعسوا عن تنفيذ التوجيه المباشر للسيد الرئيس الصادر من فوق الدائري الأوسطي.
الإنشاء الفوري للحواجز: البدء فوراً ودون أي تأخير في تركيب حواجز أمان خرسانية متصلة وقوية على طول الـ 40 كيلومتراً الممتدة من البدرشين إلى العياط، لإنهاء حقبة "طريق الموت" وحماية أرواح آلاف المواطنين الذين يعبرونه كل ساعة.
رحم الله شهداء لقمة العيش من أبناء البدرشين، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وولّى الله أمورنا من يتقي الله في دماء البشر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق