بقلم: المستشار المهندس/أحمد مكاوي
========================
انكشاف المنظومة الدولية وهواجس القادم
لم يعد الحديث عن الأمن الصحي العالمي مجرد رفاهية أكاديمية أو شأن طبي عابر، بل تحول إلى أحد المرتكزات الأساسية للأمن القومي وحماية سيادة الدول. ولعل التاريخ القريب يشهد كيف وقفت قوى أوروبية عظمى ودول كبرى مربكة وعاجزة أمام صدمة جائحة "كورونا"، التي كشفت الهشاشة الصادمة في سلاسل الإمداد الدولية واحتكار المستلزمات الحيوية.
واليوم، في ظل التكهنات والتقارير الدولية المتواترة التي تحذر من موجات وبائية وفيروسية متجددة، سواء كانت سلالات "إيبولا" المتحورة أو الأوبئة الناشئة المرتبطة بالقوارض والفئران، يصبح السؤال الحتمي: كيف تحمي شعوبنا العربية والإفريقية نفسها من مجهول القادم؟
الرد الاستراتيجي وحتمية السيادة الدوائية
الإجابة الحقيقية والعملية عن هذا التساؤل لم تأتِ في صورة شعارات، بل تجسدت في حراك استراتيجي على أرض الواقع. فجاء إعلان اختيار مصر رسميًا لاستضافة "المركز الإقليمي لرفع القدرات التصنيعية الحيوية لشمال إفريقيا"، بالشراكة مع المغرب الشقيق، ليكون الرد الإقليمي الحاسم والدرع الوقائي الأول لتفادي سيناريوهات الارتهان للخارج عند حدوث أي طارئ صحي مستقبلي.
إن هذا المركز، الذي انتقل بقوة وسرعة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الفاعلية والتشغيل، يعكس رؤية وطنية واعية بأن "السيادة الدوائية" هي الوجه الآخر للسيادة العسكرية والاقتصادية. وتحت هذه المظلة الاستراتيجية، شرع "التحالف المصري لمصنعي اللقاحات" (EVMA) في تفعيل ذراعه التدريبي (EVMA-RCCN)، ليتحول إلى مركز إقليمي معتمد يتولى نقل وتوطين أحدث تقنيات صناعة اللقاحات والمستحضرات الحيوية المعقدة، مستندًا إلى القلاع الصناعية الوطنية العريقة مثل الشركة القابضة "فاكسيرا"، وبدعم تنسيقي متكامل من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا وهيئة الدواء المصرية.
جسور التعاون وتعميق حصون الابتكار الوطنية
ولم يقف هذا الحراك عند حدود التأسيس، بل تُرجم عمليًا عبر بناء جسور حقيقية للعمل الإقليمي المشترك؛ حيث شهدت منشآت "فاكسيرا" استقبال وفود رفيعة المستوى من خبراء الاتحاد الإفريقي في برامج زمالة وورش عمل تقنية متقدمة، رسخت دور مصر كناقل حقيقي للخبرة والمعرفة العملية. وتستهدف هذه الخطوات صياغة استراتيجية قارية طموحة تؤهل دولنا لتلبية احتياجاتها محلياً، وفتح آفاق التصدير لعشرات الدول خلال السنوات القليلة القادمة.
ومن عمق هذا التوجه نحو التحصين الذاتي، تبرز أهمية الالتفات إلى ما تزخر به الجامعات المصرية من طاقات شبابية هائلة. فعلى مدار السنوات الأخيرة، ظهرت عشرات المشاريع والابتكارات الطلابية الواعدة التي تتعلق بالتشخيص المبكر، والعلاج الموضعي، والمواد الحيوية، مثل ابتكارات لاصقات ذكية للجروح، وأجهزة مراقبة عن بعد، وهلاميات طبيعية للتئام الأنسجة. وعشرات من هذه الابتكارات لا يزال حبيس المعامل وقاعات الدراسات العليا، بانتظار من يتبناها ويحولها من تجارب أكاديمية إلى منتجات صناعية ملموسة.
توصية استراتيجية: التخطيط العكسي بين الدولة والجامعات
هنا يأتي دور الدولة؛ فبدلاً من أن ننتظر حتى تصلنا الأفكار من داخل الجامعات، أقترح تبني أسلوب "التخطيط الاستراتيجي العكسي" لإيجاد حلول استباقية. بمعنى أن تتولى الجهات المعنية—كوزارة الصحة، وهيئة الدواء، وأكاديمية البحث العلمي، والمركز الإقليمي نفسه—طرح "مصفوفة التحديات والأزمات المتوقعة" كملفات بحثية موجهة لكليات التكنولوجيا الحيوية والهندسة الطبية.
وبهذه الآلية، يتم توجيه البحث العلمي لسد الثغرات الأمنية والصناعية الحقيقية، بدلاً من تركه عشوائياً قد ينتج حلولاً لمشكلات غير موجودة على أرض الواقع. إنني هنا لا أدعو إلى مجرد دعم مادي عابر، بل إلى تبني حقيقي من أعلى مستوى، يضع معايير واضحة لتحويل الابتكار إلى منتج، ويمنح الطلاب والباحثين الثقة بأن عملهم سيجد طريقه إلى السوق، بل إلى خط الدفاع الصحي الأول للوطن.
المرتكز الحقوقي والالتزام الإنساني والتاريخي
ولا يفوتنا هنا التأكيد على البعد الحقوقي والإنساني الأصيل في هذا الملف؛ فالحق في الرعاية الصحية والحصول على الدواء الآمن والفعال هو صلب حقوق الإنسان الأساسية. وقيام الدولة المصرية بهذا الدور الريادي يبرهن على التزامها التاريخي بدعم استقرار ونماء جيرانها، وتقديم حلول عملية ملموسة في ربوع القارة.
ختاماً
إن الانتقال الحقيقي من مجرد التحذير من الأوبئة إلى التشغيل الفعلي لمنصات الدفاع الحيوي يثبت أن مصر، وهي تبني حاضرها، تصوغ بمداد من نور مستقبل الأمن الصحي لأمتها وجيرانها. ويبقى الرهان الأكبر على العقول الشابة التي تنتظر فقط من يوجهها ويتبناها؛ فإذا أحسنت الدولة استثمار هذه الطاقات، وأحسنت صياغة التحديات أمامها، فإن الرد على أي وباء قادم سيكون جاهزاً ومصاغاً بأيدينا قبل أن يطرق الأبواب.
حفظ الله وطننا العربي وإفريقيا، ودامت شعوبنا في أمن ورفعـة.
========================================
✍️ المستشار المهندس/أحمد مكاوي
مستشار العلاقات الدبلوماسية وحقوق الإنسان
نائب رئيس لجنة تقصي الحقائق – المجلس العربي الإفريقي الدولي
المحرر الصحفي / جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق