في كل مجتمع، هناك أشخاص يصنعون القيمة، وأشخاص يستهلكونها، وأشخاص آخرون يقفون على الهامش يكتفون بالتعليق عليها.
المشكلة أن عصر وسائل التواصل الاجتماعي منح الجميع منصة للتعبير، وهو أمر إيجابي في حد ذاته، لكنه خلق ظاهرة أخرى أكثر تعقيدًا: ثقافة النقد دون إنجاز.
أصبح من السهل أن ينتقد شخص مشروعًا لم يحاول يومًا تنفيذ مشروع مشابه.
ومن السهل أن يسخر من فكرة جديدة دون أن يقدم بديلًا أفضل.
ومن السهل أن يهاجم من يعمل، بينما لا يتحمل هو نفسه مسؤولية أي قرار.
فالجلوس في المدرجات دائمًا أسهل من النزول إلى أرض الملعب.
الشخص الذي يعمل قد يخطئ، وقد ينجح، وقد يتعرض للنقد، لأنه ببساطة يتحمل مسؤولية الفعل.
أما من يكتفي بالمشاهدة، فلا يتحمل تكلفة الخطأ ولا مشقة المحاولة.
ولهذا نجد أن أغلب الإنجازات الكبرى في التاريخ لم يحققها أشخاص كانوا ينتظرون الظروف المثالية أو الإجماع الكامل من الناس.
بل حققها أشخاص قبلوا المخاطرة، وتقبلوا احتمال الفشل، واستمروا رغم الانتقادات.
وهذا لا يعني أن كل نقد سلبي أو غير مهم.
فالنقد الموضوعي ضروري لأي تقدم، لأنه يكشف الأخطاء ويساعد على التصحيح.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين نقد يهدف إلى التحسين، ونقد يهدف فقط إلى التقليل من الجهد أو السخرية من المحاولة.
فالأول يبني، والثاني يهدم.
المشكلة أن بعض المجتمعات تستهلك طاقة هائلة في الجدل حول من أخطأ، بينما كان يمكن استثمار جزء من هذه الطاقة في البحث عن الحلول.
قد لا يتذكر التاريخ أسماء معظم من انتقدوا أو سخروا أو شككوا،
لكنه غالبًا يتذكر من حاولوا وصنعوا شيئًا على أرض الواقع، حتى لو لم يكن كاملًا.
لأن العالم لا يتغير على يد من يراقبونه من بعيد،
بل على يد من يملكون الشجاعة للمحاولة، وتحمل مسؤولية النتائج.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق