من أكثر المفاهيم التي يُساء فهمها في حياتنا اليومية مفهوم "الخبرة".
فكثيرون يعتقدون أن الخبرة تعني عدد السنوات فقط.
كلما طالت مدة العمل، اعتبر الناس أن الخبرة زادت تلقائيًا.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
فقد يعمل شخص عشرين عامًا وهو يكرر نفس التجربة كل عام، بينما يعمل شخص آخر خمس سنوات فقط، لكنه يتعلم ويتطور ويواجه تحديات جديدة باستمرار.
الأول يمتلك سنة خبرة مكررة عشرين مرة،
أما الثاني فقد راكم خبرات حقيقية ومتنوعة خلال فترة أقصر.
ولهذا فإن الزمن وحده لا يصنع الخبرة.
الخبرة الحقيقية تتكون من التعلم من الأخطاء، وتحليل النتائج، والتعامل مع المشكلات المختلفة، والقدرة على اتخاذ قرارات أفضل مع مرور الوقت.
المشكلة أن بعض المؤسسات تخلط بين الأقدمية والكفاءة.
فتمنح الثقة لمجرد طول المدة، دون النظر إلى حجم المعرفة أو القدرة على التطوير.
وفي المقابل، قد يتم تجاهل أصحاب الكفاءات الصاعدة لأن سنوات عملهم أقل، رغم امتلاكهم مهارات وخبرات حديثة يحتاجها السوق.
وهنا تضيع فرص كثيرة.
فالخبرة ليست شهادة تُمنح تلقائيًا مع مرور الزمن، بل قيمة تُبنى من خلال التعلم المستمر.
ولهذا نرى أن بعض الخبراء الحقيقيين لا يتوقفون عن الدراسة والقراءة والتدريب مهما بلغت مناصبهم أو سنوات عملهم.
لأنهم يدركون أن العالم يتغير، وأن ما كان صحيحًا قبل عشر سنوات قد يحتاج إلى مراجعة اليوم.
والأخطر أن التمسك بالخبرة القديمة دون تطوير قد يتحول إلى نقطة ضعف بدلًا من أن يكون مصدر قوة.
فالمعرفة التي لا تتجدد تفقد جزءًا من قيمتها مع الوقت، خصوصًا في عالم تتغير فيه التكنولوجيا والأسواق وأساليب العمل بسرعة كبيرة.
لا تُقاس الخبرة بعدد السنوات التي مرت،
بل بعدد الدروس التي تعلمها الإنسان خلالها.
فليس المهم كم سنة قضيتها في العمل،
بل ماذا أضفت إلى نفسك خلال تلك السنوات، وماذا أصبحت قادرًا على تقديمه اليوم مقارنة بالأمس.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق