في كل عصر، كانت هناك ثروة تحدد مكانة الأمم والأفراد.
في زمن كان الذهب هو الثروة الحقيقية، سعت الدول إلى امتلاك المناجم.
ثم جاء عصر النفط، فأصبحت آبار البترول مصدر القوة والنفوذ.
أما اليوم، فنحن نعيش عصرًا مختلفًا تمامًا.
الثروة الأهم لم تعد مدفونة تحت الأرض، بل موجودة داخل العقول.
فالدول التي تقود الاقتصاد العالمي لم تصل إلى مكانتها لأنها تمتلك أكبر المساحات أو أغنى الموارد الطبيعية فقط، بل لأنها استثمرت في المعرفة والبحث العلمي والابتكار.
شركة واحدة تعتمد على فكرة جديدة أو تقنية مبتكرة قد تحقق قيمة اقتصادية تفوق ما تنتجه بعض الدول من موارد طبيعية خلال سنوات.
وهنا يظهر الفرق بين الاقتصاد التقليدي واقتصاد المعرفة.
في الاقتصاد التقليدي، كلما استخرجت موارد أكثر حققت عائدًا أكبر.
أما في اقتصاد المعرفة، فإن الفكرة الواحدة يمكن استخدامها ملايين المرات دون أن تنفد.
ولهذا أصبحت الجامعات ومراكز الأبحاث وحاضنات الأعمال جزءًا من الأمن القومي والاقتصادي لكثير من الدول.
المشكلة أن بناء اقتصاد قائم على المعرفة ليس أمرًا سريعًا.
فهو يحتاج إلى تعليم جيد، وتشجيع على التفكير النقدي، وبيئة تسمح بالتجربة والابتكار، وقدرة على تحويل الأبحاث والأفكار إلى منتجات وخدمات حقيقية.
كما يحتاج إلى ثقافة تحترم العلم والخبرة، وتكافئ الإبداع بدلًا من الاكتفاء بتكرار ما فعله الآخرون.
فالعالم لا يكافئ من يستهلك المعرفة فقط، بل من ينتجها.
قد تزداد قيمة الموارد أو تنخفض، وقد تتغير الأسواق والتقنيات، لكن شيئًا واحدًا سيظل مصدر القوة الحقيقي في المستقبل:
العقل القادر على التعلم، والابتكار، وحل المشكلات.
لأن الأمم التي تملك المعرفة تستطيع أن تصنع ثروات جديدة،
أما الأمم التي تعتمد فقط على ما تملكه اليوم، فقد تجد نفسها يومًا ما تبحث عن مكان في عالم سبقها إليه الآخرون.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق