بين ريادة الدولة وعشوائية التبرعات: كيف تحولت الفضائيات إلى "قنوات الشحاتة المصرية" في الخارج؟
بقلم: سامح محمد رياض
مستشار اللجنة العليا لشؤون حقوق الإنسان
تحتل الدولة المصرية تاريخياً وعربياً مكانة "الدولة العظمى الإقليمية"؛ فهي بلد الحضارة، والجيش القوي، والمشروعات القومية العملاقة التي تُبنى في قلب الصحراء بأحدث التقنيات العالمية. ولكن، في مقابل هذه الصورة المشرقة للبناء والحديث والتمكين، يجد المشاهد العربي والوافد الأجنبي نفسه أمام مفارقة صادمة عند تنقله بين القنوات الفضائية: سيل لا ينتهي من إعلانات التبرعات وسداد صكوك الفقر.
على مدار الـ 24 ساعة، وبنسبة تتجاوز 50% من محتوى بعض القنوات، تتكرر مآسي إنسانية مستمرة لشهور، لأشخاص يصرخون طلباً لـ "وصلة مياه" أو تبرع لبناء "زاوية في حضن جبل". هذا المشهد بات يطرح علامات استفهام خطيرة حول من يقف وراء هذه الإعلانات، وكيف تؤثر على هيبة الدولة صانعة القرار وكرامة أبنائها المغتربين.
1. من المجالس العربية إلى العمالة الوافدة: صورة ذهنية مشوهة
لم يعد الأمر مجرد تحليل أو مخاوف من تشويه الصورة، بل تحول إلى واقع ملموس ومخجل يُسمع بوضوح في المجالس والبيوت العربية، بل ووصل إلى العمالة الوافدة من مختلف الجنسيات في دول الخليج والوطن العربي، والذين باتوا يطلقون على هذه المنصات اسم "قنوات الشحاتة المصرية".
موقف حقيقي من الواقع: في إحدى الدول العربية، يتحدث عامل آسيوي (من بنغلاديش) ببراءة مع مواطن مصري مغترب قائلاً بلغته البسيطة: "هو مصر كله نفر مسكين مسكين؟"، وعندما ينفي المواطن ذلك باستنكار، يأتي رد العامل قاطعاً وصادماً: "بس على طول تي في (التلفزيون) يعرض هذا!"
هذا الموقف البسيط في ظاهره، العميق في خطورته، يعكس كيف نجحت هذه الإعلانات في غسيل عقول المشاهدين بمختلف ثقافاتهم ولغاتهم، ليرسموا صورة ذهنية مشوهة بأن شعب مصر العظيم بات يعيش كله في حالة عوز واستجداء، متسائلين بتهكم أو بجهل: "أين ذهبت إمكانيات مصر الرهيبة وجيشها العظيم وبناؤها الحديث إذا كان شعبها يظهر هكذا طوال الوقت على الشاشات؟"
2. شركات مجهولة ومحفظة "فودافون كاش": أين تذهب الأموال؟
اللافت للنظر في هذه الإعلانات هو غياب المؤسسات الرسمية الكبرى المعترف بها، وظهور كيانات وشركات تحت مسميات "جمعيات خيرية" غير معروفة الأصل، ويكون وسيلتها الأساسية لجمع الأموال هي أرقام الهواتف ومحافظ "فودافون كاش" أو المحافظ الإلكترونية.
علامات الاستفهام: من يراقب هذه الأموال؟ وما هي النسبة التي تذهب للشركة المنتجة للإعلان والقناة الفضائية التي تعرض الإعلان لمدة ثلث ساعة كاملة (وهي تكلفة إعلانية باهظة جداً)؟
النتيجة: تحولت "الخيرية" إلى بيزنس وتجارة بالبشر ومشاعر المشاهدين لتحقيق أرباح ضخمة تحت غطاء ديني وإنساني.
3. البُعد الأمني المفقود: أين دور وزارة الداخلية؟
وهنا يبرز السؤال الجوهري والأخطر: أين دور وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية في تتبع هذه الكيانات؟
المسألة لم تعد مجرد "جمع تبرعات بدون ترخيص"، بل تحولت إلى ملف أمني يمس الأمن القومي الاقتصادي والاجتماعي، ويتطلب تدخلاً حاسماً من قطاعات مباحث الأموال العامة والأمن الوطني لعدة أسباب:
تتبع التمويل وأهداف التشويه العمدي: إن استمرار عرض الإعلان لمدة ثلث ساعة متواصلة ولشهور يعكس ضخ ملايين الجنيهات والدولارات. فمن يمول هذه الحملات الضخمة؟ وهل هناك جهات أو أجهزة خارجية تسعى لتمويل هذه المنصات عمداً لترسيخ صورة "مصر الشحاتة" وتدمير الهيبة المصرية إقليمياً؟
مراقبة المحافظ الإلكترونية وخطوط الهواتف: تجميع التبرعات عبر "فودافون كاش" ومحافظ الهواتف دون غطاء مصرفي واضح يفتح الباب لجرائم غسيل الأموال، أو استخدام هذه التدفقات النقدية الضخمة في تمويل أنشطة مشبوهة بعيدة عن أعين الدولة.
فحص هوية القائمين على هذه الشركات: يجب التحري عن هويات ومقرات هذه الشركات، فمن غير المقبول ترك الباب مفتوحاً لجهات غير معلومة تجمع أموالاً طائلة من الداخل والخارج تحت ستار بناء مساجد وزوايا عشوائية قد تُستغل لاحقاً كبؤر خارجة عن السيطرة.
4. استغلال "الزي الأزهري" وغياب دور وزارة الأوقاف
من أخطر الظواهر في هذه الحملات هو تصدير أشخاص يرتدون الزي الأزهري الشريف لمخاطبة عواطف الناس ومطالبتهم بالتبرع.
أين دور الأزهر الشريف؟ يفترض بالأزهر حماية عِمامته وزيه الرسمي من الابتذال والاستغلال التجاري، والتنسيق مع الأمن لضبط أي شخص ينتحل صفة رجل دين لجمع أموال غير مشروعة.
أين وزارة الأوقاف؟ تاريخياً، كانت وزارة الأوقاف هي المسؤولة تماماً عن إحلال وتجديد المساجد، فلماذا يُسمح لجهات مجهولة ببناء مساجد وزوايا عشوائية دون إشراف هندسي أو أمني من الأوقاف؟
خاتمة وضبط مطلوب
إن تحول الشاشات المصرية في نظر العالم والعمالة الوافدة والأشقاء العرب إلى ساحة لـ "الشحاتة والاستجداء" هو بمثابة اختراق إعلامي خطير أصاب الكرامة والهوية المصرية في مقتل.
مصر التي تمد يد العون والمساعدات الإنسانية لدول الجوار في أزماتها، لا يصح أن تترك شاشاتها لتُصدر للعالم انطباعاً زائفاً بأن شعبها يشحذ قوت يومه وثمن مائه لدرجة جعلت القاصي والداني يتساءل عن فقرها. إن التدخل الأمني الصارم من وزارة الداخلية لضبط هذه الشبكات، والتحرك الحاسم من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لمنع هذه الإعلانات المشبوهة، لم يعد مجرد إجراء تنظيمي، بل هو معركة كرامة وأمن قومي لحماية وجه مصر الحضاري وصورة مواطنيها في الخارج.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق