في زمن السرعة والمظاهر، أصبح الهدوء نفسه شيئًا نادرًا.
فالناس لم تعد تخشى فقط الفشل أو الخسارة، بل أصبحت تخشى التوقف.
الجميع يريد أن يبدو منشغلًا طوال الوقت،
وكأن قيمة الإنسان أصبحت مرتبطة بمدى ازدحام يومه، لا بمدى جودة ما يفعله.
لكن الحقيقة أن الحياة لا تُقاس دائمًا بالحركة المستمرة.
فأحيانًا يكون التوقف لإعادة التفكير أهم من الاستمرار في الجري بلا اتجاه واضح.
المشكلة أن العالم الحديث خلق شعورًا دائمًا بأن هناك شيئًا يفوتنا.
خبر جديد، فرصة جديدة، شخص يحقق نجاحًا، أو ترند جديد يجب متابعته.
ومع هذا التدفق المستمر، أصبح العقل يعيش في حالة استنفار دائم، حتى أثناء الراحة.
ولهذا يشعر كثير من الناس بالإرهاق رغم أنهم لم يبذلوا مجهودًا بدنيًا حقيقيًا.
لأن التعب لم يعد جسديًا فقط، بل ذهنيًا أيضًا.
العقل لم يعد يحصل على فرصة حقيقية للصمت.
دائمًا هناك شاشة، إشعار، فيديو، أو فكرة جديدة تسرق الانتباه.
ومع الوقت، أصبح البعض غير قادر حتى على الجلوس مع نفسه لدقائق دون الحاجة إلى أي مصدر تشتيت.
الأخطر أن هذا الضجيج المستمر يقلل قدرة الإنسان على التفكير العميق.
فالقرارات المهمة تحتاج هدوءًا، والتركيز يحتاج مساحة خالية من التشتت، لكن العالم الحالي يتحرك في الاتجاه المعاكس تمامًا.
ولهذا أصبحت الراحة الحقيقية أصعب مما كانت عليه، رغم كل وسائل الراحة الحديثة.
فالهدوء لم يعد غياب الأصوات فقط،
بل أصبح غياب الفوضى المستمرة داخل العقل نفسه.
ربما لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى مزيد من السرعة أو المعلومات أو الانشغال،
بل قد يحتاج أحيانًا إلى شيء أبسط بكثير:
أن يتوقف قليلًا… ليستعيد وضوحه من جديد.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق