بقلم: سامح محمد رياض حسين
مستشار اللجنة العليا لشؤون حقوق الإنسان
بينما تسعى الدولة المصرية جاهدة لتعزيز كرامة المواطن وبناء جمهورية جديدة تقوم على التخطيط والتحضر، تأبى أيادي التعنت الإداري في مركز بني مزار بمحافظة المنيا إلا أن تعيدنا خطوات إلى الوراء. المنيا، عروس الصعيد التي تفتخر بشعار الملكة "نفرتيتي" رمز العظمة والحكمة، تشهد اليوم أحداثاً تدمي القلوب وتضع علامات استفهام كبرى حول أولويات الإدارة المحلية.
المفارقة المؤلمة: هدم النظام لإحياء الفوضى
في غضون أسبوع واحد، شهدنا تناقضاً صارخاً؛ فبينما يُترك السوق القديم ليغرق في وحل العشوائية والتكدس المروري الخانق وسط الكتلة السكنية المكتظة كما توضح الصورة ، قامت جرافات مجلس المدينة بالتحرك فجراً لهدم "سوق المواشي الجديد" المنظم كما تظهر الصورة .
إن الإبقاء على السوق القديم بهذا المنظر العشوائي لا يؤدي فقط إلى شلل مروري، بل يمثل قنبلة موقوتة تهدد الصحة العامة والأمن المجتمعي. فبأي منطق يُهدم البديل الحضاري المُرخص ليبقى المواطن أسيراً للفوضى؟
انكسار "عظيمة مصر" أمام جرافات المسؤول
ولكن المشهد الأكثر إيلاماً والذي هز وجدان كل من رآه، هو ما وثقته الصورة لسيدة مصرية من صلب الصعيد، تجلس منكسرة على الأنقاض، تفيض عيناها بالمرارة وهي تحاول استعطاف رئيسة مجلس المدينة لوقف هدم منزلها الذي يجمع شتات أولادها.
وهنا نسأل المسؤولين: أين كانت أعينكم حينما كانت تُرسم أساسات هذا المنزل؟ ولماذا تأخرت "هيبة الدولة" لتبحث عن "المخالفة" بعد أن استنزفت السيدة شقاء عمرها في البناء؟ أمن العدل أن يصل بنا الحال في محافظة الملكة "نفرتيتي" أن تضطر سيدة كريمة لتقبيل قدم مسؤولة لترحمها من ضياع مأواها؟
رسالة إلى من يهمه الأمر
إن ما يحدث في بني مزار يستدعي تدخلاً فورياً من القيادة السياسية والرقابية. فنحن كحقوقيين لسنا ضد القانون، بل نحن مع روح القانون التي تحمي الضعيف قبل القوي. هدم سوق مرخص ومُجهز هو إهدار للمال العام واعتداء على أحكام القضاء، وهدم بيوت المواطنين بعد اكتمالها دون توفير بديل أو مراعاة للبعد الإنساني هو طعنة في قلب السلم المجتمعي.
إن عروس الصعيد تستحق إدارة تُعمر لا تُدمر، إدارة تبحث عن الحلول لا عن هدم الأحلام تحت جنح الظلام. فهل من مجيب لصرخة تلك السيدة، وهل من وقفة حازمة لإنقاذ بني مزار من براثن العشوائية المفروضة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق