بقلم ـ سمر سمير
لم تعد السبورة هي بطلة الفصل، ولم يعد المعلم هو الممثل الوحيد. في مدارس سمالوط، نزل الطلاب من مقاعد المتفرجين إلى خشبة المسرح، وحوّلوا الدرس إلى عرض، والنشاط إلى مهرجان. هنا.. التعليم يرسم ويغني ويمثل، والنتيجة جيل يعشق المدرسة قبل أن يعشق المادة.
في الوقت الذي تشكو فيه كثير من المدارس من "ملل الحصة" و"هروب الطلاب من الأنشطة"، قررت إدارة سمالوط التعليمية أن تكسر القاعدة وتقلب المعادلة. تحولت قاعات المدارس إلى مسارح مصغرة، والفصول إلى ورش فنية، وحصص النشاط إلى مهرجانات إبداع حقيقية تخرج المواهب من صمت الكتب إلى نور المسرح.
المشهد في مدارس سمالوط مختلف تماماً. طالب يشرح درس التاريخ وهو يرتدي زي صلاح الدين، وطالبة تلخص قانون نيوتن في أغنية، ومجموعة تحوّل قصة كفاح طه حسين إلى مسرحية من فصل واحد. هنا أدرك المعلمون أن الطريق لعقل الطالب يمر عبر قلبه، وأن "التعليم بالفن" ليس رفاهية، بل ضرورة تربوية في زمن التيك توك والريلز.
السر في نجاح تجربة سمالوط هو إيمان القيادات التعليمية بأن "النشاط ليس حصة فراغ". مدير الإدارة التعليمية ومعلمو التربية الفنية والمسرحية والموسيقية تعاملوا مع النشاط كـ"مادة أساسية" تبني الشخصية قبل أن تملأ الدماغ بالمعلومات. فالطالب الذي يقف على المسرح ليلقي قصيدة يكتسب ثقة لا تمنحها له 10 حصص نحو وصرف، والطالبة التي ترسم لوحة تعبر عن حب الوطن ترسخ فيها القيم أكثر من 100 سؤال في الامتحان.
النتيجة المباشرة لهذا التحول كانت انخفاض معدلات الغياب، وارتفاع نسبة مشاركة الطلاب في الأنشطة، واكتشاف مواهب حقيقية كانت مدفونة خلف الخوف والخجل. أولياء الأمور أنفسهم أصبحوا شركاء، يحضرون البروفات ويشجعون أبناءهم، بعدما لمسوا تغييراً حقيقياً في شخصية الطفل. المدرسة لم تعد مكاناً للعقاب والواجب، بل أصبحت مساحة آمنة للإبداع والتعبير.
التجربة تؤكد أن الاستثمار في "المسرح المدرسي" و"التربية الفنية" هو استثمار في بناء الإنسان. فالمسرح يعلم الطالب العمل الجماعي، والالتزام، ومواجهة الجمهور، والفن يعلمه التذوق، والصبر، والدقة. وهي مهارات لا يمكن تلقينها، بل يجب أن يعيشها الطالب.
وختاما سمالوط اليوم لا تخرّج طلاباً فقط، بل تخرّج فنانين صغار، وممثلين واعدين، وقادة للمستقبل. عندما يتحول النشاط من "حصة على الهامش" إلى "مهرجان في القلب"، نكون قد ربحنا معركة الوعي. التعليم بالفن ليس ضد التعليم بالكتاب، بل هو الجسر الذي يحمل الكتاب إلى قلب الطفل وعقله. تحية لمعلمي سمالوط الذين فهموا أن الطباشيرة يمكن أن ترسم، وأن العصا يمكن أن تصبح عصا مايسترو. من هنا يبدأ الإبداع.. من هنا يبدأ مستقبل مصر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق