كتبت هذا المقال: أ/ هبة رأفت
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة
تُعد الصحة النفسية أحد أهم أركان التوازن الإنساني، فهي التي تمنح الإنسان القدرة على التكيف مع ذاته ومع الآخرين، وتمكنه من مواجهة ضغوط الحياة بصورة طبيعية. وعندما يحدث خلل في هذا التوازن تظهر اضطرابات نفسية متعددة تؤثر في التفكير والانفعال والسلوك والعلاقات الاجتماعية، وقد تمتد آثارها إلى الصحة الجسدية والحياة الأسرية والمهنية. وتختلف اضطرابات الصحة النفسية في أشكالها ودرجاتها، فمنها ما يرتبط بالقلق والخوف، ومنها ما يتعلق بالإدراك والتفكير أو بالمشاعر والسلوكيات اليومية، إلا أن جميعها تحتاج إلى فهم صحيح وتعامل واعٍ بعيدًا عن الوصمة أو السخرية.
تأتي الاضطرابات العصبية في مقدمة الاضطرابات النفسية انتشارًا، وهي مجموعة من الاضطرابات التي يعاني فيها الفرد من توتر نفسي وصراعات داخلية تؤثر في حياته اليومية دون أن يفقد اتصاله بالواقع. ومن أشهر هذه الاضطرابات القلق العصابي الذي يجعل الإنسان يعيش حالة مستمرة من التوتر والخوف والترقب حتى في المواقف العادية، فيشعر بسرعة ضربات القلب والتعب وصعوبة التركيز واضطراب النوم. كما يظهر الخوف المرضي أو الفوبيا في صورة خوف شديد وغير منطقي من أشياء أو مواقف معينة مثل الأماكن المرتفعة أو التجمعات أو الظلام، وقد يدفع الشخص إلى تجنب كثير من المواقف الحياتية. أما الهستيريا فتُعد استجابة نفسية تظهر أحيانًا في صورة أعراض جسدية أو انفعالية مبالغ فيها نتيجة الضغوط النفسية الشديدة. كذلك يُعد الوسواس القهري من الاضطرابات العصابية المعروفة حيث تسيطر على الفرد أفكار متكررة مزعجة تدفعه إلى القيام بسلوكيات قهرية متكررة مثل غسل اليدين أو التأكد المستمر من الأشياء بهدف تخفيف القلق.
ومن النماذج المهمة أيضًا الأمراض السيكوسوماتية وهي اضطرابات جسدية يكون للعوامل النفسية دور كبير في ظهورها أو زيادتها، فالعقل والجسد يرتبطان ارتباطًا وثيقًا، وقد يؤدي القلق والحزن والتوتر المزمن إلى الإصابة بارتفاع ضغط الدم أو قرحة المعدة أو القولون العصبي أو بعض مشكلات الجلد والتنفس. وهذا يوضح أن الإنسان وحدة متكاملة وأن الضغوط النفسية لا تبقى حبيسة المشاعر بل قد تتحول إلى آلام وأعراض جسدية حقيقية.
أما الفصام فهو من الاضطرابات العقلية الشديدة التي تؤثر في إدراك الإنسان للواقع وفي طريقة تفكيره وانفعالاته وسلوكه. وقد يعاني المصاب به من الهلاوس أو الضلالات أو اضطراب التفكير والكلام، مما يجعله يواجه صعوبة في التواصل مع الآخرين أو ممارسة حياته بصورة طبيعية. ويحتاج مريض الفصام إلى دعم نفسي وأسري وعلاج طبي مستمر يساعده على التكيف وتحسين جودة حياته.
وتشمل اضطرابات الصحة النفسية كذلك الاضطرابات الوجدانية التي ترتبط بالحالة الانفعالية والمزاجية للفرد، ومن أبرزها الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب. فالاكتئاب يجعل الإنسان يشعر بالحزن المستمر وفقدان الطاقة والرغبة في الحياة وقد يفقد اهتمامه بالأشياء التي كان يحبها سابقًا، بينما يتميز الاضطراب الوجداني ثنائي القطب بتقلبات حادة بين نوبات النشاط والانفعال الزائد ونوبات الحزن والانخفاض النفسي. وتؤثر هذه الاضطرابات في العلاقات الاجتماعية والدراسة والعمل إذا لم يتم علاجها بطريقة صحيحة.
كما تُعد اضطرابات النوم من المشكلات النفسية الشائعة التي تؤثر بشكل مباشر في صحة الإنسان الجسدية والعقلية، فالنوم ضرورة أساسية لاستعادة النشاط والتوازن النفسي. وقد يعاني بعض الأشخاص من الأرق وصعوبة النوم أو من النوم المتقطع والكوابيس أو النوم الزائد، وغالبًا ما ترتبط هذه الاضطرابات بالقلق والتوتر والضغوط اليومية، وقد تؤدي إلى ضعف التركيز والإرهاق المستمر واضطراب المزاج.
وتبرز أيضًا اضطرابات الطعام التي ترتبط بعلاقة الإنسان بالطعام وصورة الجسد، مثل فقدان الشهية العصبي أو الشره المرضي. ففي بعض الحالات يرفض الفرد تناول الطعام خوفًا من زيادة الوزن رغم نحافته الشديدة، وفي حالات أخرى يتناول كميات كبيرة من الطعام ثم يشعر بالذنب ويحاول التخلص منه بطرق غير صحية. وهذه الاضطرابات لا تؤثر في الجسد فقط بل تمتد إلى الثقة بالنفس والحالة النفسية والاجتماعية.
أما اضطرابات الإخراج فتظهر غالبًا لدى الأطفال وقد ترتبط بعوامل نفسية أو تربوية مثل القلق والخوف والتوتر الأسري، ومن أمثلتها التبول اللاإرادي أو التبرز اللاإرادي. وقد تؤدي هذه المشكلات إلى شعور الطفل بالخجل أو الانسحاب إذا لم يتم التعامل معها بحكمة واحتواء نفسي بعيدًا عن العقاب أو الإهانة.
وفي النهاية فإن اضطرابات الصحة النفسية ليست دليل ضعف أو نقص في الإيمان أو قلة إرادة، بل هي مشكلات إنسانية تحتاج إلى وعي وفهم وعلاج مناسب. كما أن الدعم الأسري والبيئة الآمنة والتوعية المجتمعية من أهم الوسائل التي تساعد على الوقاية والعلاج. فكلما ازداد وعي المجتمع بالصحة النفسية قلت المعاناة وازدادت فرص التعافي والاندماج والقدرة على بناء حياة مستقرة ومتوازنة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق