في كل مرة تظهر فيها تكنولوجيا جديدة، يظن الناس أنها ستمنحهم وقتًا وراحة أكثر.
الهاتف الذكي، الإنترنت، التطبيقات، والذكاء الاصطناعي… كلها وُعدت بأنها ستجعل الحياة أسهل وأسرع.
لكن المفارقة الغريبة أن الإنسان اليوم يبدو أكثر انشغالًا وتوترًا من أي وقت مضى.
فبدل أن توفر التكنولوجيا الوقت فقط، رفعت أيضًا سقف التوقعات.
أصبح المطلوب إنجاز المهام بسرعة أكبر، والرد فورًا، والتواجد الدائم، وكأن الإنسان تحوّل إلى شخص “متصل” طوال الوقت دون انقطاع.
في الماضي، كان للعمل وقت واضح ينتهي بانتهاء اليوم.
أما الآن، فقد يدخل العمل إلى البيت عبر الهاتف، وتصل الرسائل في أي ساعة، ويظل العقل متعلقًا بما يجب فعله حتى أثناء الراحة.
كما أن التكنولوجيا لم تقلل عدد المهام، بل زادت عدد الأشياء التي يمكن فعلها أصلًا.
فكل تطبيق جديد يفتح بابًا جديدًا للاستهلاك، أو المتابعة، أو الانشغال.
حتى الترفيه نفسه لم يعد بسيطًا.
الإنسان لا يشاهد فيلمًا فقط، بل يتابع التعليقات، والإشعارات، والأخبار، ومقاطع أخرى في الوقت نفسه، حتى أصبح التركيز الكامل على شيء واحد أمرًا نادرًا.
المشكلة أن العقل البشري لم يتطور بنفس سرعة هذا العالم الرقمي.
فهو ما زال يحتاج إلى الهدوء، والتركيز، وفترات التوقف الطبيعية، بينما يعيش اليوم وسط تدفق لا ينتهي من المعلومات والتنبيهات.
ولهذا يشعر كثير من الناس بالإرهاق حتى في الأيام التي لم يبذلوا فيها مجهودًا جسديًا كبيرًا، لأن الاستنزاف الحقيقي أصبح ذهنيًا أكثر من أي شيء آخر.
الأخطر أن الإنسان بدأ يربط قيمته بمدى استجابته وسرعته وإنتاجه المستمر، وكأن التوقف أو البطء أصبحا نوعًا من التقصير.
ربما لم تجعلنا التكنولوجيا أكثر تعبًا بشكل مباشر،
لكنها جعلت العالم يتحرك بسرعة أكبر من قدرة عقولنا على الراحة الحقيقية.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق