بقلم احمد منصور احمد غانم محرر صحفي وعضو المجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والتنميه
خبيب بن عدي رضي الله عنه قال اثنين من الكفار في غزوه بدرفندرت زوجه أحدهم أن تشرب الخمر برأس خبيب بن عدي وستدفع لمن يقبض عليه أي ثمن وَفِي وَقعَةِ (بِئرِ مَعُونَةَ) احتَالَ الْكُفَّارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنهُم خُبَيبٌ، فَقَتَلُوا اثْنَينِ مِنهُم، وَرَبَطُوا سَيِّدَنَا خُبَيبًا، وَأَخَذُوهُ إِلَى مَكَّةَ، وَبَاعُوهُ لِهَذِهِ الْمَرأَةِ الَّتِي قَتَلَ سَيِّدُنَا خُبَيبٌ زَوجَهَا، وَرَبَطُوهُ بِالسَّلَاسِلِ.
وَبِمَا أَنَّهُم قَبَضُوا عَلَيهِ فِي الْأَشهُرِ الْحُرُمِ، قَالُوا: لَا يَصِحُّ قَتْلُهُ.
لِذَا قَرَّرُوا أَن يَذبَحُوهُ بَعدَ انْتِهَاءِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَوَضَعُوهُ فِي بَيتٍ يَسكُنُهُ رَجُلٌ وَامرَأَةٌ وَابنُهُمَا الصَّغِيرُ، فَأَوثَقُوهُ، وَأَمَرُوا سُكَّانَ الْبَيتِ بِالتَّيَقُّظِ وَالْحِرصِ عَلَى الِاحتِفَاظِ بِهِ.
وَذَاتَ مَرَّةٍ كَانَ الرَّجُلُ صَاحِبُ الْبَيتِ غَيرَ مَوْجُودٍ، وَتَحكِي زَوجَتُهُ وَتَقُولُ:
أَدخُلُ عَلَى خُبَيبِ بنِ عَدِيٍّ الْحُجرَةَ وَنَحنُ فِي بَردِ الشِّتَاءِ، فَأَجِدُ فِي يَدِهِ عُنْقُودًا مِنَ الْعِنَبِ، وَوَاللَّهِ مَا فِي مَكَّةَ حَبَّةُ عِنَبٍ.
فَتَقُولُ الْمَرأَةُ: وَعِنْدَمَا أَدخُلُ عَلَيهِ مَرَّةً أُخرَى أَجِدُ فِي يَدِهِ طَعَامًا آخَرَ، وَفِي مَرَّةٍ ثَالِثَةٍ أَجِدُ فِي يَدِهِ طَعَامًا آخَرَ.
وَفِي يَومٍ مِنَ الْأَيَّامِ، وَقَبلَ أَن يُقتَلَ بِيَومَيْنِ أَو ثَلَاثَةٍ، قَالَ لَهَا: هَل مُمكِنٌ أَن تُعطِينِي مُوسًا؟
قَالَت: لِمَاذَا؟
قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُومَ بِسُنَنِ الْفِطْرَةِ (قَصُّ الْأَظَافِرِ، وَتَهْذِيبُ الشَّارِبِ، وَحَلقُ الشَّعْرِ، وَإِزَالَةُ شَعرِ الْإِبطِ...).
وَعِندَمَا أَحضَرَت لَهُ الْمُوسَ اقتَرَبَ ابنُهَا الصَّغِيرُ مِنهُ وَجَلَسَ فِي حُضنِهِ، فَخَافَت أَنْ يَقتُلَهُ، لِأَنَّ الْمُوسَ فِي يَدِهِ، فَقَالَ لَهَا: مَن يَخَافُ اللَّهَ لَا يَفعَلُ هَذَا، وَمَا كَانَ لِي أَن أَكُونَ مِنْ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ وَأَفعَلَ ذَلِكَ، خُذِي الْغُلَامَ وَلَا تَقلَقِي.
وَبَعدَ الْأَشهُرِ الْحُرُمِ أَخَذُوا خُبَيبَ بْنَ عَدِيٍّ، وَخَرَجُوا بِهِ خَارِجَ مَكَّةَ، وَقَامُوا بِتَعلِيقِهِ فِي نَخلَةٍ، وَرَبَطُوهُ فِيهَا، وَجَمَعُوا كُلَّ قُرَيشٍ.
فَبَدَأَ أَبُو سُفيَانَ يَقُولُ: لَا تَقتُلُوهُ، إِنَّمَا اضرِبُوهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيهِ وَقَدَمَيهِ، لَا تَقتُلُوهُ، نُرِيدُ أَن نُعَذِّبَهُ.
فَبَدَأُوا يَضرِبُونَهُ، وَخُبَيبٌ رَافِعُ الرَّأْسِ، فَذَهَبَ أَبُو سُفيَانَ إِلَيهِ وَقَالَ: يَا خُبَيبُ، أَستَحلِفُكَ بِاللَّهِ، أَتُحِبُّ أَن يَكُونَ مُحَمَّدٌ مَكَانَكَ الْآنَ؟
فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَن يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ فِي بَيتِهِ وَيُشَاكُ بِشَوكَةٍ، فَكَيفَ أُحِبُّ أَن يَكُونَ فِي مَكَانِي.
فَقَالَ أَبُو سُفيَانَ: مَا رَأَيتُ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ لِمُحَمَّدٍ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفيَانَ: أَتُحِبُّ شَيئًا يَا خُبَيبُ؟ أَتَطلُبُ أَمرًا قَبلَ أَن تَمُوتَ؟
قَالَ: نَعَم، أُحِبُّ أَن أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ: أَنزِلُوهُ، حَقِّقُوا لَهُ طَلَبَهُ.
فَفَكُّوا وَثَاقَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَينِ، وَقَامَ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِي سُفيَانَ وَقَالَ: لَولَا أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي أَخَافُ الْمَوتَ لَأَطَلْتُ فِيهِمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَن أُطِيلَ.
ثُمَّ أَعَادُوهُ وَرَبَطُوهُ، وَبَدَأَ يَقُولُ شِعرًا:
وَلَستُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسلِمًا
عَلَى أَيِّ جَنبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
ثُمَّ وَقَفَ يَدعُو اللَّهَ بِأَعلَى صَوتِهِ وَيَقُولُ:
اللَّهُمَّ أَحصِهِم عَدَدًا، وَاقْتُلهُم بَدَدًا، وَلَا تُغَادِر مِنهُم أَحَدًا.
وَعِندَمَا دَعَا بِهَا قَامَ أَبُو سُفْيَانَ وَقَالَ لِقُرَيْشٍ: انبَطِحُوا عَلَى الْأَرضِ كَي لَا تُصِيبَكُمُ الدَّعوَةُ، فَأَصبَحَ هُوَ الْوَحِيدَ الَّذِي يَرفَعُ رَأْسَهُ، وَكُلُّهُم عَلَى الْأَرضِ، فَلَمَّا رَأَى هَذِهِ النَّظرَةَ ضَحِكَ.
وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَلِّغ عَنِّي رَسُولَكَ مَا فَعَلتُ.
فَيَنزِلُ سَيِّدُنَا جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنَ السَّمَاءِ، فَيُخبِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا حَدَثَ لِخُبَيبِ بنِ عَدِيٍّ.
وَيَأْمُرُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَحَدَ الصَّحَابَةِ وَيَقُولُ لَهُ: اذهَب بِسُرعَةٍ إِلَى مَكَّةَ وَأَحضِرْ لِي جُثَّةَ خُبَيبِ بنِ عَدِيٍّ.فَيَقُولُ الصَّحَابِيُّ: وَصَلتُ وَالدُّنْيَا قَدْ أَظلَمَتْ، فَصَعِدتُ عَلَى النَّخلَةِ الَّتِي كَانَ مَربُوطًا عَلَيهَا، وَكُنتُ خَائِفًا أَن يَرَانِي أَحَدٌ فَأُقتَلَ، فَفَكَكتُهُ حَتَّى أَنزِلَ بِهِ مِن عَلَى النَّخلَةِ، فَوَقَعَ، فَنَزَلْتُ أَبحَثُ عَنهُ فَلَم أَجِدهُ.
فَيَقُولُ: ظَلَلْتُ أَبحَثُ عَنهُ، لِأَنَّهُ لَا يَستَطِيعُ أَن يَعُودَ إِلَى النَّبِيِّ بِدُونِهِ، فَانتَظَرتُ حَتَّى أَصبَحَ الصَّبَاحُ، وَلَم أَجِدِ الْجُثَّةَ، فَرَجَعتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَزِينًا.
فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ، ابْتَسَمَ لِي وَقَالَ: لَا عَلَيكَ، دَفَنَتهُ الْمَلَائِكَةُ.
صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق