بقلم امل صالح سليم اخصائية تربية خاصة وصحة نفسية
عندما يُذكر مصطلح السيكوباتية يتخيل الكثيرون صورة المجرم العنيف أو القاتل المتسلسل، وغالبًا ما تكون هذه الصورة مرتبطة بالرجال. لكن الدراسات في علم النفس الإكلينيكي وعلم النفس الجنائي تشير إلى أن النساء أيضًا قد يظهرن سمات سيكوباتية، وإن كانت تختلف في طريقة التعبير عنها مقارنة بالرجال.
فالسيكوباتية ليست مجرد غضب أو اندفاع، بل هي نمط شخصية معقد يتميز ببرود عاطفي، ضعف التعاطف، الميل إلى التلاعب بالآخرين، والقدرة على إخفاء النوايا الحقيقية خلف سلوك اجتماعي جذاب. ولهذا السبب قد تكون السيكوباتية لدى النساء أكثر صعوبة في الاكتشاف، لأنها غالبًا ما تتخذ شكل عدوان نفسي خفي بدلاً من العنف الجسدي المباشر.
ويتميز هذا الاضطراب بعدة سمات أساسية، منها:
ضعف التعاطف مع الآخرين
الميل إلى استغلال الناس لتحقيق مصالح شخصية
الكذب المتكرر والتلاعب
غياب الشعور بالذنب أو الندم
الاندفاع وعدم احترام القواعد الاجتماعية
الخصائص النفسية للمرأة السيكوباتية
تشير الدراسات إلى أن النساء اللواتي يمتلكن سمات سيكوباتية قد يظهرن أنماطًا سلوكية مميزة، منها:
1. الجاذبية الاجتماعية المصطنعة
قد تتمتع المرأة السيكوباتية بقدرة عالية على إظهار اللطف والاهتمام في بداية العلاقات، مما يجعل الآخرين يشعرون بسرعة بالثقة والانجذاب نحوها.
2. سطحية المشاعر
رغم قدرتها على التعبير عن المشاعر، إلا أن هذه العواطف غالبًا ما تكون سطحية أو تمثيلية وليست نابعة من تعاطف حقيقي.
3. التلاعب العاطفي
قد تستخدم العواطف والاهتمام كوسيلة للتأثير في الآخرين أو السيطرة عليهم.
4. غياب الشعور بالذنب
حتى عندما تتسبب أفعالها في أذى واضح للآخرين، قد لا تظهر شعورًا حقيقيًا بالندم.
أنماط العدوان عند النساء السيكوباتيات
على عكس الصورة النمطية للسيكوباتية المرتبطة بالعنف الجسدي، تشير الأبحاث إلى أن النساء أكثر ميلًا إلى ما يسمى العدوان العلاقي.
ويشمل هذا النوع من العدوان:
نشر الشائعات
الإقصاء الاجتماعي
التلاعب بالعلاقات بين الأفراد
تشويه السمعة
ويكون الهدف غالبًا السيطرة على البيئة الاجتماعية أو تحقيق مكاسب شخصية.
مراحل العلاقة مع شخصية سيكوباتية
تشير بعض الدراسات في علم النفس العلاقي إلى وجود نمط متكرر في العلاقات مع الشخصيات عالية التلاعب.
المرحلة الأولى: الإغراء العاطفي
في بداية العلاقة قد يظهر الشخص:
اهتمامًا مكثفًا
إطراءً مبالغًا فيه
وعودًا بعلاقة مثالية
يسمى هذا الأسلوب أحيانًا في الأدبيات النفسية المعاصرة القصف العاطفي (Love Bombing).
المرحلة الثانية: التحكم النفسي
بعد مرحلة الإغراء، قد يبدأ نمط مختلف من السلوك، مثل:
سحب الاهتمام فجأة
التشكيك في إدراك الطرف الآخر للواقع
قلب الحقائق وتحميل الضحية المسؤولية
وهو شكل من أشكال التلاعب النفسي الذي يجعل الضحية يشك في نفسه.
أمثلة من الواقع
مثال في العلاقات العاطفية
في بعض حالات الاحتيال العاطفي، يقوم أحد الطرفين ببناء علاقة قائمة على الثقة والاهتمام، ثم يبدأ تدريجيًا في استغلال الطرف الآخر ماديًا أو نفسيًا.
مثال في بيئة العمل
قد تظهر شخصية تمتلك مهارات اجتماعية عالية لكنها تستعملها في:
نشر الشائعات عن الزملاء
التقرب من أصحاب النفوذ
إقصاء المنافسين بطرق غير مباشرة
وذلك بهدف تعزيز موقعها الاجتماعي أو المهني.
مثال في العلاقات الاجتماعية
في بعض المجموعات الاجتماعية قد يظهر شخص يثير النزاعات بين الأصدقاء بشكل متكرر، ثم يتظاهر بدور الوسيط أو الضحية، مما يمنحه قدرة على التحكم في المجموعة.
هل السيكوباتية ناتجة عن الجينات أم البيئة؟
تشير الأبحاث الحديثة في علم النفس العصبي إلى أن السيكوباتية قد تنتج عن تفاعل معقد بين العوامل البيولوجية والبيئية.
العوامل البيولوجية
تشير بعض الدراسات إلى وجود اختلافات في نشاط مناطق دماغية مثل:
اللوزة الدماغية المسؤولة عن معالجة الخوف والتعاطف
القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن اتخاذ القرار وتنظيم السلوك
العوامل البيئية
الخبرات المبكرة في الطفولة قد تلعب دورًا مهمًا، مثل:
الإهمال العاطفي
العنف الأسري
غياب الاستقرار الأسري
هذه العوامل قد تؤثر في تطور التعاطف وتنظيم العواطف لدى الفرد.
أهمية الوعي النفسي
من المهم التأكيد أن ليس كل شخص مؤذٍ أو متلاعب يعاني بالضرورة من سيكوباتية. فالتشخيص النفسي يتطلب تقييمًا سريريًا دقيقًا من قبل مختصين.
كما أن الخلط بين:
الشخصية القوية
الاستقلالية
والاضطرابات الشخصية
يعد خطأً شائعًا في الثقافة الشعبية.
لذلك فإن الهدف من فهم هذه الأنماط ليس إطلاق الأحكام، بل تعزيز الوعي النفسي وحماية الأفراد من التلاعب العاطفي أو العلاقات المؤذية.
المرأة السيكوباتية ليست دائمًا كما تصورها الأفلام أو الروايات، لكنها قد تمتلك نمطًا نفسيًا يتسم بالبرود العاطفي والقدرة العالية على التلاعب الاجتماعي.
فهم هذه الأنماط يساعد على:
التعرف على العلاقات غير الصحية
وضع حدود نفسية واضحة
حماية التوازن العاطفي للفرد
وفي النهاية، يبقى الوعي النفسي هو الوسيلة الأهم لتجنب الوقوع في دوامة العلاقات القائمة على التلاعب والاستغلال
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق