قد نرى في حياتنا نماذج متعددة من البشر ؛ منهم المجتهد ، ومنهم المقصر ، ومنهم من يخدم الناس بضمير ، ومنهم من يتكبر عليهم ، لكن يبقى النموذج الأسوأ والأخطر على أي مجتمع هو الظالم ، لأن الظلم لا يسرق حق فرد واحد فحسب ، بل يسرق مستقبل أجيال كاملة.
فالظلم ظلمات يوم القيامة ، وأشد صور الظلم قسوة أن يُحرم صاحب الكفاءة من حقه، بينما يجلس غيره على المقعد نفسه بفضل الواسطة والمجاملات والمحسوبيات.
كم من شابٍ اجتهد وسهر الليالي ، وحصل على المؤهلات والدرجات التي تؤهله لمنصب أو وظيفة ، ثم فوجئ بأن حلمه ضاع لأن شخصًا آخر سبق إليه لا بعلمه ولا بكفاءته ، بل باسم العائلة أو النفوذ أو العلاقات ! هنا لا نتحدث عن مجرد خطأ إداري ، بل عن اغتيال صريح لمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص.
إن من وصل إلى منصب أو وظيفة عبر أبواب الواسطة يجب أن يعلم جيدًا أنه يجلس في مكان ليس مكانه الحقيقي ، وأن خلف هذا المقعد قصة ظلم لصاحب حق ، ومرارة إنسان حُرم من فرصة كانت كفيلة بتغيير حياته وحياة أسرته.
ولذلك، فإن أقل واجب أخلاقي على من استولى على هذا المكان أن يجعل من نفسه خادمًا للناس ، لا متسلطًا عليهم؛ أن يقضي مصالحهم بإخلاص ، وأن يرد جزءًا من الحقوق المعنوية التي ضاعت بسبب هذا الظلم ، لا أن ينتظر المدح أو التصفيق أو كلمات الشكر.
ويبقى السؤال المشروع الذي يتردد في الشارع دائمًا:
ما هي مؤهلات من يشغلون هذه المواقع؟
وما حجم كفاءتهم الحقيقية؟
وهل وصلوا بعرقهم واجتهادهم ، أم أن الواسطة اختصرت الطريق وأهدرت حقوق الأجدر؟
إن أخطر ما تفعله الواسطة أنها لا تظلم الأفراد فقط ، بل تضرب ثقة المجتمع في مؤسساته ، وتزرع اليأس في نفوس الشباب ، وتجعل التفوق والاجتهاد بلا قيمة أمام النفوذ والمجاملات.
رسالتي واضحة:
كل من وصل إلى منصب بغير استحقاق ، فهو مدين للمجتمع بخدمة صادقة ، ومدين لأصحاب الحقوق ببذل أقصى ما يستطيع من جهد ، لأن ما ناله لم يكن فضلًا من كفاءته ، بل كان على حساب آخرين كانوا أولى به.
فالعدل هو أساس الملك ، والحقوق لا تضيع ما دام وراءها من يطالب بها ، وسيظل صوت المظلوم أعلى من كل منصب ، وأبقى من كل واسطة .
بقلم المستشار والمحرر الصحفي / عمر ماهر أبو دقنة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق