الجمعة، 10 أبريل 2026

ابن سيف الله.. بطل حمص الذي أحبته القلوب وخافه الروم

بقلم احمد منصور احمد غانم عضو المجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والتنميه 
في أحضان مكة المكرمة، ولد أبو محمد عبد الرحمن بن خالد بن الوليد رضي الله عنه في العشرين من شوال سنة ثلاث قبل الهجرة، الموافق العاشر من يونيو سنة 619م.
 كان ابناً لسيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنهما ، ووالدته أسماء بنت زعيم قبيلة خثعم، نشأ في بيت البطولة والشجاعة، فكان قدره أن يرث سيف أبيه وروحه الفاتحة.
اعتنق الإسلام مع والده في شهر صفر سنة ثمان للهجرة، ولم يكن قد بلغ الحادية عشرة إلا قليلاً. أصبح من صغار الصحابة، صحب النبي ﷺ في آخر سنواته، وتوفي النبي ﷺ وعبد الرحمن في الرابعة عشرة من عمره. رافق والده في حروب الردة والفتوحات ضد الفرس والروم، يتعلم فنون القتال والقيادة في ميدان الجهاد.
برز نجمه بقوة في معركة اليرموك الكبرى سنة خمس عشرة للهجرة (636م). 
رغم شبابه اليافع، أُسندت إليه قيادة ألف مقاتل، أول مهمة قيادية له. بعد النصر المؤزر، لم يهدأ، بل بقي مع والده يطارد فلول الروم حتى أبواب حمص، ثم شارك في فتح قنسرين. أثبت كفاءة استثنائية، فأصبح من رجال الوالي أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، الذي كان يوكله بمهام قيادية في الجيوش التي تحمي ثغور الشام وتغزو أرض الروم.
في سنة سبع عشرة (638م)، عيّنه أبو عبيدة حاكماً على مدينة حمص زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وبعد وفاة أبي عبيدة ثم يزيد بن أبي سفيان، تولى معاوية بن أبي سفيان ولاية الشام، فأبقاه في منصبه وقيادة جيش الثغور. مع مرور السنين، ازدادت مكانته. في سنة ثلاث وعشرين (644م)، عيّنه الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه حاكماً على جند حمص بأكمله.
شارك في معركة صفين سنة سبع وثلاثين (657م) إلى جانب معاوية، وحمل لواءه بكل فخر. كان أخوه المهاجر بن خالد في الصف الآخر مع علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وقتل في المعركة. أما عبد الرحمن، فقد كان قلبه يميل إلى تجنب إراقة دماء المسلمين، فاشترك في لجنة التحكيم التي أنهت القتال.
ولما تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما عن الخلافة لمعاوية سنة إحدى وأربعين (661م) حرصاً على وحدة الأمة، عيّن معاوية عبد الرحمن قائداً عاماً للجيوش الأموية، وأبقاه حاكماً على جند حمص. هنا بلغت شهرته ذروتها.
قاد عبد الرحمن حملات صائفة جريئة داخل الأناضول في سنوات 664م و665م و666م. كان يخرج مع الصيف غازياً في أرض الروم، ويعود مع الشتاء محملًا بالغنائم والانتصارات. أشهر حملاته كانت سنة أربع وأربعين للهجرة (664م)، متجهة نحو القسطنطينية. لم تصل إلى أسوارها، لكنها اخترقت الأرض بعمق، ورسمت طريقاً واضحاً للجيوش المستقبلية عبر المدن والقلاع البيزنطية. وفي السنتين التاليتين، واصل ضرب المدن والحصون، ونجح في إقامة حزام من المعسكرات والقلاع يكون قاعدة انطلاق للغزوات الكبرى. كان يعدّ لحملة عظيمة في سنة 667م... لكن القدر كان له رأي آخر.
توفي عبد الرحمن رضي الله عنه في مدينة حمص، وهو في الثامنة والأربعين من عمره فقط، في الرابع عشر من جمادى الثانية سنة ست وأربعين للهجرة، الموافق الحادي والعشرين من أغسطس سنة 666م.
كان أهل حمص يحبونه حباً جماً، ويفتخرون به كثيراً. يقرّب شريفهم، يغفر زلاتهم، يجلس في أفنيتهم، يمشي بين أسواقهم كأنه أحدهم، يعود مرضاهم، يشهد جنائزهم، وينصف مظلومهم. لذلك تعلّقت القلوب به، وذاع صيته في الشام كله حتى قيل إنه عظم أمره عند أهلها.
بعد وفاته، اتهم أبناؤه وأقاربه الطبيب النصراني ابن أثال — رئيس أهل الذمة في حمص — بتسميمه، سواء تعاطفاً مع الروم أو خطأً طبياً. فثار أحد أقاربه (خالد بن عبد الرحمن أو خالد بن المهاجر بن خالد حسب الروايات) وقتله. غضب معاوية من الحادثة، فحبس القاتل فترة لتجنب فتنة تطال المسيحيين، ولأن النظام يمنع أخذ الحق باليد دون بينة. ثم ألزم عشيرته من بني مخزوم بدفع الدية — وكانت اثني عشر ألف درهم — فدفعوا نصفها من بيت المال وتحمّلوا الباقي، ثم أُطلق سراحه.
ظلت ذكرى عبد الرحمن رضي الله عنه حية في قلوب أهل حمص. حتى بعد أكثر من سبعين عاماً، في سنة 740م، خاطب العباس بن الوليد بن عبد الملك أهل المدينة قائلاً: «يا أهل حمص، ما لكم لا تذكرون أميراً من أمرائكم مثل ما تذكرون عبد الرحمن بن خالد؟» فأجابوه: «كان يدني شريفنا، ويغفر ذنبنا، ويجلس في أفنيتنا، ويمشي في أسواقنا، ويعود مرضانا، ويشهد جنائزنا، وينصف مظلومنا».
رحم الله عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ابن سيف الله، بطل الشام وفارس الثغور، الذي عاش مجاهداً ومات غازياً، وترك وراءه سيرة عطرة لا تنسى...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot