السبت، 3 يناير 2026

أشباح عائلة مدكور

🖋/م.عماد سمير 
لم يكن اسم بيت مدكور يُذكر ليلًا إلا وتبعه صمتٌ ثقيل، صمتٌ يشبه لحظة حبس الأنفاس قبل الصراخ. القصر العتيق القابع عند أطراف البلدة ظل لعقودٍ شاهدًا على حكاية لم تكتمل، وعلى عائلة لم تغادر المكان… حتى بعد موتها.
في ليلة بدرٍ مكتمل، حيث يسكب القمر ضوءه البارد على الجدران المتشققة، وقف شابٌ وحيد في منتصف الطريق المؤدي إلى القصر، يحمل مصباحًا زيتياً يرتجف لهبه مع كل نسمة. لم يكن يعلم أن خطوته التالية ستوقظه على تاريخٍ ملعون.
يُحكى أن عائلة مدكور انتقلت إلى القصر في أوائل القرن الماضي. كانوا أثرياء، منعزلين، لا يختلطون بأحد. الأب، رجل صارم، والأم، سيدة صامتة بنظرات زجاجية، وطفلان لا يُسمع لهما صوت. وفي إحدى الليالي، اختفت العائلة بأكملها. لم تُفتح أبواب، لم تُكسر نوافذ، ولم يُعثر على جثث. فقط صمت… ثم بدأت الظواهر.
أول من لاحظهم كان حارسًا ليليًا، أقسم أنه رأى رجلًا يقف خلف نافذة الطابق العلوي، وجهه شاحب وعيناه فارغتان، يحدق في العدم. وفي الليلة التالية، ظهرت امرأة في النافذة المقابلة، شعرها منسدل وملامحها مشدودة كأنها تصرخ بلا صوت. ومنذ ذلك الحين، صار القصر يفتح نوافذه وحده عند اكتمال القمر.
يقول السكان إن الأشباح لا تتحرك… بل تراقب. وكأنها تنتظر شيئًا. أو شخصًا.
حين اقترب الشاب من البوابة الحديدية الصدئة، انطفأ مصباحه فجأة. في اللحظة نفسها، أُضيئت نافذتان في الطابق العلوي بضوءٍ أبيض بارد. ظهر رجل وامرأة، ملامحهما جامدة، يحدقان فيه مباشرة. لم تكن أعينهما تحمل تهديدًا، بل رجاءً مرعبًا.
سمع صوتًا خافتًا، همسًا خرج من الجدران نفسها:
"لا ترحل… نحن لم نرحل."
حاول الهرب، لكن الطريق خلفه اختفى، كأن الضباب ابتلع العالم. ومع كل خطوة يتراجعها، كانت الهمسات تزداد وضوحًا، حتى صارت كلمات: حكاية خيانة، طقس غامض، روحان عُلِّقتا بين الحياة والموت داخل هذا القصر.
مع أول خيط فجر، وُجد المصباح على الطريق، وحده، ما زال دافئًا. أما الشاب… فلم يُرَ مرة أخرى.
ومنذ تلك الليلة، أضيفت نافذة ثالثة مضاءة إلى القصر.
يقولون الآن إن أشباح عائلة مدكور لا تكتفي بالمراقبة…
إنها تختار من يُكمل العائلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot