بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
بسم الله الرحمن الرحيم
“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”
ليست هذه الآية مجرد موعظة
بل هي قاعدة حاكمة لفهم التغيير الحقيقي لأن ما لا يتغير في طريقة التفكير لا يمكن أن يتغير في الواقع مهما تعددت المحاولات
في ظل واقع تتراكم فيه التحديات وتتداخل فيه الأزمات لم يعد السؤال من يتحدث باسم الناس بل كيف يفكر من يمثلهم وبأي أدوات يتعامل مع ما يواجهونه يوميًا حضرت مؤتمرًا جماهيريًا في مركز زفتى لا بدافع علاقة شخصية أو مصلحة مباشرة بل بدافع اختبار فكرة هل يمكن لنائب شاب أن يتحرك بعقلية مختلفة خارج الإطار التقليدي لدور نائب الخدمات
( النائب / أحمد الشرقاوي )
قدّم نموذجًا يستحق التوقف ليس لأنه يحل المشكلات بل لأنه يحاول فهمها من منبعها ما كان واضحًا خلال اللقاء أن الشكاوى لم تُطرح كحالات فردية تُغلق بحلول جزئية بل كانت تتحول أمامه إلى مدخل لفهم نمط أوسع ثم إعادة صياغته كمقترح يمكن أن يخدم قطاعًا كاملًا من المواطنين وهذه هي النقلة الحقيقية من التعامل مع النتائج إلى التعامل مع الأسباب
ورغم هذا الطابع المنهجي لم يغِب البعد الإنساني حيث طُرحت حالة لطفل يعاني من ضمور عضلي يحتاج إلى علاج بتكلفة باهظة وكانت هناك أم تقف أمام واقع قاسٍ لا تملك فيه سوى الانتظار ومع ذلك لم تُختزل الحالة في التعاطف فقط بل تحولت إلى محاولة جادة لإيجاد مخرج يفتح باب أمل وهو ما يعكس توازنًا مهمًا بين الفهم الإنساني والقدرة على التحرك داخل القيود
ومن زاوية أخرى كان لي طرح مقصود أردت من خلاله اختبار هذا النمط من التفكير حيث قدمت فكرة تتعلق بفئة أصحاب الأعمال غير المؤمن عليهم صحيًا وهي فئة واسعة تمتد من أصحاب الحرف والمشروعات الصغيرة إلى شرائح ذات دخول أعلى وتعيش في فراغ تشريعي يجعلها عرضة للهشاشة في أوقات المرض رغم مساهمتها الاقتصادية كان الهدف من الطرح أن أرى كيف سيتعامل نائب مع فكرة قادمة من خارج دائرته دون أي مصلحة مباشرة
ما حدث كان كاشفًا حيث لم يتم استقبال الفكرة بشكل عابر بل تم التقاط جوهرها وإعادة صياغتها ببراعة إلى تصور أكثر قابلية للتطبيق يمكن أن يتطور إلى مقترح تشريعي يخدم هذه الفئة الواسعة وهو ما يعكس استعدادًا حقيقيًا للاستماع والتطوير لا الاكتفاء بالعرض أو المجاملة
هنا يظهر الفرق بين من يتعامل مع الواقع كقائمة طلبات ومن يتعامل معه كنظام يحتاج إلى إعادة تصميم لأن القيمة ليست في حل المشكلة عندما تظهر بل في تقليل احتمالية ظهورها من الأساس
ما خرجت به من هذا اللقاء لم يكن انطباعًا عن شخص بقدر ما كان تأكيدًا على إمكانية وجود نماذج شبابية داخل العمل النيابي تحاول أن تتحرك بعقلية مختلفة نماذج لا ترى دورها في الوساطة بل في الفهم والتشريع وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والنظام
ومن موقع المراقب يمكن القول إن مثل هذه المحاولات تمثل ما يحتاجه المجال العام اليوم ليس فقط في دائرة أو محافظة بل على مستوى أوسع لأن التغيير الحقيقي لا يأتي من تكرار نفس الأدوات بل من إعادة تعريف الدور نفسه
وإذا كانت بداية التغيير من الداخل كما تشير الآية فإن انعكاسه الحقيقي يظهر في مؤسسات قادرة على التفكير قبل الفعل وعلى التشريع قبل رد الفعل لأن المستقبل لا يُبنى بمن يحل الأزمات فقط بل بمن يمنع تكرارها
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق