"سحر" جلست في حجرتها تراجع دروسها، وفي قلبها شيء يشبه الغصّة.
كل سطر تقرؤه كانت تقرأه بعينٍ واحدة، والعين الأخرى تبحث عن ظلّ أمها في الرفوف.
"محمود" كان أكثر التزامًا بالدراسة مِن أي وقتٍ مضى، كأنه يُرضي ضميرًا داخليًا يقول له:
“أمي ستسألني عن درجاتي حين تتصل بي.”
مرت الساعات في البيت طويلة وممددة مثل ظلال المغيب، ولم يقطعها إلا صوت الجدة تنادي:
"يا "سحر… أكملي مذاكرتك، وأعتني بأخيكي "محمود"وراجعي معه بعض دروسه، حتى يفرح قلوبنا جميعاً، وقلب أمه حتى تشعر أننا سند لها."
على بُعد آلاف الأميال، وتحديدًا في مطار "جون إف كينيدي" "بنيويورك"، كانت "آنعام" تهبط مِن سلم الطائرة بقلبٍ مليء بالتعب والشوق والترقّب.
كانت ترتدي طرحتها الكحلية وثوبها الطويل، وفي يدها حقيبة تئنّ مِن ثقل ما تحمله مِن الهدايا والذكريات "لرفاعي".
في صالة الوصول، وقف "رفاعي" بإنتظارها، ملامحه لم تتغير كثيرًا، لكنها بدت أكثر لينًا، أكثر دفئًا.
بجانبه كان يقف "عزيز"، أخيه الأكبر، وهو يلوّح بعصبية مِن فرط الحماسة.
ما إن رأى "رفاعي" زوجته تقترب، حتى تقدم إليها خطوة، أبتسم بحياء ثم احتضنها وقبلها مِن جبينها، ثم قال:
"الحمد لله على السلامة يا
"أم محمد... نورتِ الديار والغربة."
أبتسمت "آنعام" إبتسامة متعبة، وقالت وهي تضم الحقيبة إلى صدرها:
"ما أدركتُ نفسي إلا وأنا فوق الطائرة... ولا قلبي إلا هناك، عندهم."
إنتهت الإجراءات بسرعة، كأن السماء تُمهّد لها طريقًا مبللًا بالدموع والإنتظار. ركبوا السيارة، والمدينة تبتلعهم كعادتها… بناطحاتها وضجيجها وضوئها الغريب.
وصلوا إلى شقةٍ هادئة في حيّ سكني بسيط.
دخلت "آنعام" وهي تتلفّت، كأنها تبحث عن ركن تعرفه، عن شيء يشبه "مصر"، عن دفء يشبه أمها و أولادها.
وضعت حقيبتها جانبًا ولم تجلس.
أخذت تسير في الصالة، تتلمس الستائر، تشمّ الهواء، تمسح الغبار الذي لم تره، وتهمس:
"غريبة الدار مِن غيرهم… لا يوجد طعم للبيت وأنا لم أسمع صوت "سحر" ولا "أحمد" ينادي بصوت جهور لأخيه… و"محمد" ليس جالس ع الكرسي أمام عيني يتحدث معي، لأساعده في جلوسه.
أقترب منها "رفاعي"، مدّ لها كوب ماء وقال:
"لا تفكري كثيراً، خذي قسط مِن الراحة وبعدها نتصل بهم نطمئن عليهم."
لكنها لم تُصغِ.
قالت بتوتر:
"أعطني التليفون "بالله" عليك… أريد أن أطمئن عليهم."
أتصل "رفاعي"، ثم أعطاها الهاتف.
و ما إن سمعت صوت أمها حتى انهارت دموعها، وقالت:
"ما أخبارك يا أمي.....؟
طمئنيني عليكِ…وعلى الأولاد ....؟
"سحر" فطرت......؟
"محمد" نزل......؟
"محمود" ذاكر.....؟
"آمال" ساعدتك...؟"
كانت أمها ترد عليها بحنانٍ عميق:
"كلهم بخير يا "أنعام… الأمور تسير بالبيت كأنك فيه، وقلوبهم عندك.
اهتمي بنفسك وبصحتك،و أثقلي في ثيابك لأنني أعلم أن الجو عندك برده قارص، والله يطمّئنا عليكم."
ثم جاء صوت "سحر"، مرتجفًا لكنه قوي:
"وحشتينا يا أمي… لكن أنا سوف أفعل كل شيئاً كنتِ تفعليه… حتى العشاء جهزته ليلة أمس مثلك."
تبعتها "آمال" قائلة:
"كلنا بخير، البيت به رئحتك، ونحن جميعاً ندعي لكِ بعد كل صلاة."
أبتسمت "آنعام" مِن قلبها، مسحت دمعتها وقالت:
"أنا معكم بقلبي… وكل نفس فيَّ يحبكم كثيراً، و سوف أعود إليكم يوم ما أرتب لكم أوراقكم لأفرحكم بلم شملنا."
أنتهت المكالمة، لكن لم ينتهِ الحنين.
نامت "أنعام" تلك الليلة في بيتٍ ليس بيتها، وأولادها ناموا في بيتٍ بلا أم، لكن قلوبهم كانت على أتصال، كأن الدعاء جسرٌ يربط بين الغياب والوجود، وكأن الحب الحقيقي لا يعرف المسافات. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق