الجمعة، 6 مارس 2026

الفراق الممزوج بالأمل


أشرق الصباح بنوره الهادئ، تتسلل خيوط الشمس مِن بين ستائر النوافذ لتداعب جدران البيت العتيق، وكأنها تبعث برسالة أمل جديدة لكل مٓن فيه.

كانت رائحة الخبز الساخن وشاي النعناع تعبق في أرجاء المطبخ، فيما إجتمع الجميع حول مائدة الإفطار، وقد ارتسمت على الوجوه مسحة رضا مفعمة بالترقُّب.

انطلقت "أنعام"، وقد بدت أكثر هدوءًا هذا الصباح، وقالت بنبرة أمٍ تحمل بين طياتها حبًا وقلقًا:

— "أحمد" أخيك "محمد" قرر ينزل للعمل معك، أعتني به يا ابني، هو يحتاجك بجانبه."

وقبل أن يُعقّب "أحمد" قفزت "سحر" و"آمال" بصوتٍ واحد، كأنما اتفقتا مسبقًا:
— "كيف تنزل يا "محمد.....؟! 
جسدك مازال بيتعافى، يحتاج للراحة."

أبتسم "محمد"، إبتسامة رجل يحاول أن يدفن ألمه خلف قناع العزيمة، وقال بصوتٍ واثق:

— "أنا طيلة عمري لم أعتاد على الجلوس في البيت، والذي حدث معي حدث وهذا قدر... لكن لم أستطيع  العيش عالة على أحد، حتى لو كنت أخيكم. 

كفى أن أخذت إعفاء مِن الجيش بسبب الحادث. 
الحمد لله على كل حال... لابد أنزل للعمل وأثبت نفسي."

ساد الصمت لوهلة، وكأن الجميع يحاول أن يستوعب كلماته، ثم تنهدت "أنعام" وهي تنظر إليه بحنانٍ ممزوج بالحذر، لكن لم تُعلق، وقالت الجدة "ذكيه أم السيد" أتركيه.

"محمد" راجل و نحن جميعاً نثق فيه وفي قدراته ، لا تقلقي عليه يا "أنعام" ، اتركيه يواجهه الدنيا و صعابها لا تخشي عليه .

ومضت الأيام، يركض فيها الوقت بين تعبٍ وشقاء، وبين محاولات أسرة تحاول أن تلملم أطراف الحلم الذي تفرّق ذات وجع.

سنة كاملة مرت، وفيها غربة "رفاعي" بين طرقات "نيويورك" وأوراق الهجرة، تحمله الشوارع الباردة وهو يشتاق لصوت "سحر" وضحكات "آمال"،و لدفء "أنعام"، وحتى لخبز أمه "ذكية" أم زوجته الذي لم ينسَ طعمه أبدًا.

في أحد الأيام، وبينما كانت "سحر" تراجع دروسها في المرحلة الإعدادية، دوّى جرس الهاتف الأرضي بصوته المعتاد. هرعت "أنعام" للرد، وما أن التقطت السماعة، حتى جاءها صوته الذي كاد أن تنساه:

— "أنعام... أنا رفاعي."

شهقت مِن فرحتها، وسألته بلهفة:
— "طمئني عليك يا "رفاعي....؟ 
كيف أحوالك....؟"
فأجابها بنبرة مطمئنة:
— "بخير، الحمد لله. 
لقد إنتهيت مِن كل أوراقك، وتستطيعي أن تأتي إلى أمريكا كل شيئاً جاهز."

صمتت برهة ثم تمتمت:
— "و أولادنا.....؟"
قال بحزم وعيناه تدمع مِن هناك:

— "أنتِ تأتي قبل ثم نرتب كل شيئاً لهم... أريد  أن نتجمع و نعيش مع بعض جميعاً، مثل الماضي أسرة واحدة يكفي بُعد."

إنتهت المكالمة، لكن الكلمات بقيت تطن في أذنها.

ظلت ساهرة ليلتها تفكر وتدبر، حتى قررت السفر. 

في الصباح إجتمع الجميع، وهي تُخبرهم بقرارها:

قالت بثبات:
— "أنا سوف أسافر لوالدكم، والذي بيننا أكبر مِن الغربة... أنا أخذت هذا القرار حرصاً على مستقبلكم وإعادة لم شملنا مِن جديد، سأذهب لأمهّد الطريق لكم."

سكتت "سحر"، ونظرت لوجه أمها بقلب متضارب، ثم سألت بخفوت:
— "ونحن....؟ 
سوف نظل هنا بمفردنا يا أمي.....؟"

— "لا ستبقون مع جدتكم "ذكية"، لحين ترتيب كل أوراقكم، وبعدها أرسل لكم واحد تلو الآخر."

تحدث "محمد"، وقد بدا أكثر هدوءًا:
— "أعتني بنفسك يا أمي، ولا تخشي علينا... نحن جميعاً على قدر المسؤولية."

أبتسم "محمود"، وقال بخفة ظل ليخفف الأجواء:
— "لكن لا تنسي أن ترسلي لي حذاء أمريكاني، مقاسي 38...!"

ضحك الجميع، حتى دمعت عين "ذكية أم السيد"، التي جلست تستمع في صمت، تداري دموعها بطرف طرحتها، على فراق ابنتها "أنعام" .

ربّتت "أنعام" على يدها وقالت:
— "يا أمي، سأترك معكِ أولادي أمانة، وأعرف إنك أهلٌ لها."

أومأت "ذكية" برأسها، وقالت بصوت خافت:
— "سافري يا ابنتي، ربي ييسر لكِ أمورك ويكتب لكِ الخير ، وربنا يجمع شملكم على خير." بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot