الجمعة، 6 مارس 2026

حين تحوّل الفن من بناء القيم إلى تسويق الجسد: قراءة في مسار الدراما الحديثة

 بقلم /وليد عبدالنبي 

" الفن لا يكتفي بعكس صورة المجتمع، بل يشارك في تشكيلها. وحين يفقد الفن بوصلته الأخلاقية، لا تتغير الشاشة وحدها… بل تتغير معها نظرة المجتمع إلى نفسه وقيمه "

كيف انتقلت الدراما من أداة لتشكيل الوعي وترسيخ القيم الاجتماعية، إلى صناعة تعتمد في كثير من الأحيان على الإثارة وتسليع العلاقات الإنسانية تحت ضغط السوق والمنافسة الإعلامية.
لم يكن الفن الدرامي في يوم من الأيام مجرد وسيلة للترفيه أو ملء أوقات الفراغ، بل كان عبر التاريخ أحد أهم أدوات تشكيل الوعي الجمعي وصياغة الضمير الثقافي للمجتمعات. فمنذ نشأة المسرح الإغريقي وصولًا إلى بدايات السينما في القرن العشرين، لعبت الدراما دورًا مركزيًا في طرح الأسئلة الأخلاقية الكبرى، وتقديم نماذج إنسانية تعكس الصراع بين القيم والانحراف، بين الواجب والرغبة، وبين المسؤولية والأنانية.
غير أن المتأمل لمسار الدراما في العقود الأخيرة يلحظ تحوّلًا واضحًا في طبيعة الخطاب الفني؛ إذ انتقلت كثير من الأعمال من كونها مساحة لطرح القيم الإنسانية العميقة إلى صناعة ترفيهية محكومة باعتبارات السوق، حيث أصبحت الإثارة البصرية والجاذبية السطحية في أحيان كثيرة معيارًا أساسيًا للنجاح.
الدراما في بداياتها: الفن بوصفه مشروعًا ثقافيًا
مع ظهور السينما وبدايات ازدهارها في النصف الأول من القرن العشرين، كانت الدراما تُنظر إليها بوصفها مشروعًا ثقافيًا يحمل رسالة اجتماعية واضحة. فالأعمال الدرامية لم تكن تقدم الحكاية لمجرد المتعة، بل كانت تسعى إلى صياغة خطاب أخلاقي يعكس القيم التي يقوم عليها المجتمع.
حتى الأفلام الرومانسية في تلك المرحلة لم تكن قائمة على الإثارة الجسدية أو الاستعراض العاطفي المفرط، بل كانت تعبر عن مفهوم رومانسي للحب يقوم على الاحترام والالتزام والمسؤولية. كان الحب مرتبطًا بالزواج والاستقرار، وكانت العلاقات الإنسانية تُقدَّم في إطار من الحياء الاجتماعي والوعي الأخلاقي.
كما قدمت الدراما آنذاك نماذج إنسانية إيجابية تشكل مصدر إلهام للجمهور؛ الشاب المكافح الذي يسعى لبناء مستقبله، والمرأة التي تجمع بين الرقة والقوة، والأب الذي يتحمل مسؤولية أسرته، والأسرة التي تمثل وحدة التماسك الاجتماعي.
وبذلك لعبت الدراما دورًا تربويًا غير مباشر، حيث ساهمت في ترسيخ قيم العمل والوفاء والانضباط الأخلاقي داخل الوعي العام.
التحول نحو دراما السوق
مع تطور الصناعة الإعلامية واتساع المنافسة بين شركات الإنتاج ومنصات العرض، بدأت طبيعة الدراما تتغير تدريجيًا. فلم يعد العمل الفني يُقيَّم فقط بعمقه الفكري أو رسالته الاجتماعية، بل بقدرته على تحقيق الانتشار وجذب الجمهور في سوق إعلامي شديد التنافس.
وفي ظل هذا التحول، برزت أنماط درامية تعتمد بدرجة أكبر على الإثارة البصرية وتضخيم الصراعات الإنسانية، حتى أصبح الجسد في بعض الأعمال عنصرًا تسويقيًا يُستخدم لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار.
لم يكن هذا التحول مجرد تغير في الشكل الفني، بل كان انعكاسًا لتحول أوسع في فلسفة الإنتاج الدرامي؛ حيث أصبحت العلاقة بين الفن والسوق علاقة أكثر تعقيدًا، وتراجع أحيانًا حضور البعد القيمي لصالح ما يمكن وصفه بـ"دراما الاستهلاك السريع".
الدراما وصناعة التصورات الاجتماعية
تؤكد دراسات علم الاجتماع الإعلامي أن الدراما لا تؤدي دورًا ترفيهيًا فقط، بل تسهم في تشكيل تصورات الأفراد حول العلاقات الإنسانية والقيم الاجتماعية. فالتكرار المستمر لأنماط معينة من السلوك داخل الأعمال الدرامية قد يؤدي تدريجيًا إلى ما يعرف بظاهرة "التطبيع الثقافي"، حيث تتحول بعض الممارسات التي كانت تُعد استثنائية أو مرفوضة إلى سلوكيات مألوفة داخل المخيال الجمعي.
ومن هنا فإن الخطاب الدرامي لا يعكس الواقع فحسب، بل يشارك أيضًا في إعادة تشكيله، خاصة في المجتمعات التي أصبحت الشاشة فيها المصدر الأوسع انتشارًا للصور الثقافية والرموز الاجتماعية.
بين حرية الإبداع والمسؤولية الثقافية
إن نقد التحولات التي شهدتها الدراما الحديثة لا يعني الدعوة إلى تقييد الفن أو الحد من حرية التعبير، فالإبداع لا يمكن أن ينمو في بيئة تخضع للرقابة الفكرية الصارمة. غير أن الحرية الفنية لا تنفصل عن المسؤولية الثقافية، خاصة عندما يتعلق الأمر بفن جماهيري يمتلك قدرة هائلة على التأثير في وعي الملايين.
فالفن الحقيقي لا يقوم على الإثارة العابرة، بل على قدرته على ملامسة الأسئلة الإنسانية العميقة، وعلى تقديم الإنسان في تعقيداته الأخلاقية والنفسية دون أن يسقط في الابتذال أو التسليع.
استعادة المعنى الإنساني للدراما
إن التحدي الحقيقي أمام صناع الدراما اليوم لا يكمن في تقديم مزيد من الجرأة الشكلية، بل في القدرة على إنتاج أعمال تجمع بين الجاذبية الفنية والعمق الإنساني. فالمجتمعات، مهما تغيرت، تظل بحاجة إلى الفن الذي يساعدها على فهم ذاتها ويعزز توازنها القيمي.
لقد أثبت التاريخ الثقافي أن الأعمال التي تبقى في ذاكرة الشعوب ليست تلك التي تعتمد على الصدمة المؤقتة أو الإثارة العابرة، بل تلك التي تمس جوهر الإنسان وتطرح أسئلته الكبرى حول الحب والعدالة والكرامة والمسؤولية.
ولهذا، فإن استعادة الدراما لدورها بوصفها فنًا يحمل رسالة إنسانية لا يمثل مجرد خيار جمالي، بل ضرورة ثقافية للحفاظ على التوازن بين الإبداع والضمير الاجتماعي، وبين حرية الفن واحترام القيم التي تشكل أساس تماسك المجتمعات.                      بقلم.                                          المؤلف والسيناريست...وليد عبد النبي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot