وصل "محمد" أخيرًا إلى "أمريكا...
كان الوصول مشحونًا بالمشاعر: "أنعام" كانت في انتظاره على باب المطار، وجهها يختلط فيه الفرح بالقلق، و"رفاعي" يراقب مِن بعيد، وعيناه تبحثان عن ملامح ابنه البكر الذي غاب طويلًا، ثم عاد محمولًا على كرسي متحرّك بدلًا مِن أن يركض نحوهم كما كان يفعل في الطفولة.
"محمد" بدا شاحبًا بعض الشيء، لكن عينيه لم تفقدا بريق الحياء والذكاء.
تقدّمت "أنعام" واحتضنته وهي تحبس دموعها، بينما "رفاعي" وقف خلفها، يحاول أن يبتلع مرارته.
أقترب ثم انحنى وقبّل رأس ابنه:
– "الحمدالله على سلامتك يا ولدي... نورت الدنيا يا "محمد."
ابتسم "محمد"، وهمس بصوت متهدّج:
– "وحشتوني يا أبي كثيراً."
اليوم أستطيع أقول أن الحياة سوف تبتسم لي مِن جديد عندما رأيتك يا أبي أنت ، وأمي وسوف تكتمل فرحتي أكثر بقدوم اخوتي ولم شملنا مرة أخرى.
فلنذهب يا ولدي لأن عمك عزيز في انتظارك ويشتاق لرؤيتك كثيرا ، وسوف يفرح بقدومك.
وعند وصولهم المنزل فتح "عزيز" الباب لهم وقام بإحتضان "محمد" وقبله وقال له أهلا بك يا ابني ، فأنت إبني الذي لم انجبه .
في المساء إجتمع الجميع، وكان "عزيز" – عم محمد – يلاحظ التغير في وجه أخيه "رفاعي".
جلسا سويًّا على شرفة صغيرة تطل على شارعٍ صامت في الضاحية الأمريكية.
كان الهواء باردًا نوعًا ما، لكنه لم يخفِ حرقة الدمع في عيني "رفاعي".
قال "رفاعي" بصوت خفيض:
– "رأيت ابني يا "عزيز....؟
رأيت حاله.....؟
هل هذا ابني الذي كنت أحمله على كتفي…؟
عاجز الأن أمام عيني....؟
ردّ "عزيز" وهو يربت على كتف أخيه:
– "اصبر يا "رفاعي… هذا ابتلاء مِن الله تعالى، وربك لا بيبتلي عبد إلا لأنه يحبه.
أنت لا تدري "محمد" يكون سبب خيراً كتير، يمكن أن تكون هذه الإعاقة تكون بابًا لرحمةٍ أوسع مما نتخيّل."
أخفى "رفاعي" وجهه بكفّيه، وبكى بصمت، ثم قال:
– "كنت أحلم أراه راجل، وأفرح به، وأزوّجه، وأحمل أولاده... لكن الكرسي هذا... كسرني يا "عزيز."
– رد "عزيز "لكن لم يكسره
، رأيت عينيه، ل بهما نور.
"محمد" يحتاجك تكون متماسك ولست ضعيف ."
وقتها كان "محمد" بغرفته يستريح مِن عناء السفر وأمه بجانبه.
مرت لحظات مِن الصمت... كان كل شيء في هذه البلاد الغريبة هادئًا... إلا ما في القلوب.
في "مصر"، كانت - الجدة ذكية - تجلس على الكرسي الهزّاز في ركن البلكونة، تتناول فنجان القهوة، بينما "أحمد" يتأهب للعودة إلى وحدته في الجيش، و"آمال" تراجع دروسًا "لسحر"، و"محمود" يتابع برنامجًا في التلفاز.
رنّ جرس الهاتف الأرضي…
قامت "آمال" بسرعة، رفعت السماعة:
– "ألو....؟"
جاءها صوت "أنغام" مليئًا بالشوق:
– "آمال… ما أخباركم يا حبيبتي.....؟
أنا و"محمد" وأبيكم نتصل لنطمئن عليكم."
صرخت "آمال":
– "أمي...!"
ثم أعطت الهاتف "لسحر" التي كادت تبكي مِن الفرح، وتدافع الجميع حول السماعة… حتى جاءت - الجدة ذكية - تمشي بعصاها وهي تقول:
– "أعطوني التليفون… أريد الأطمئنان على "محمد."
تناولت السماعة وقالت بصوت متهدج:
– "يا ولدي… يا "محمد…" أنت بخير يا حبيبي....؟
كم انا قلقة عليك مِن يوم سفرك."
– "أنا بخير يا جدتي، بخير… وصلت بالسلامة، الحمد لله."
تبادلوا الأحاديث والضحكات والدموع...
"رفاعي" تكلّم بدوره:
– "أحمد… "أنت رجل يا ابني، ودير بالك على نفسك.
"محمد" معانا، والحمد لله - الأمور تتحسن وسوف تكون على مايرام."
ردّ "أحمد" بصوتٍ فيه نبرة عسكرية مشحونة بالحنين:
– "الحمد لله يا أبي، المهم أنكم بخير… و"محمد" وصل بالسلامة لكم، أنا الأن مطمئن عليه يا أبي وهو معكم ، أعطني "محمد" يا أبي:
قال له "أحمد"أخي "محمد" رغم كل شيء أنت سند لنا بعد أبي وكنت دائما داعماً لنا ومتحمل مسؤولية الجميع ، وستظل داعم لنا جميعاً .
قال "محمد" وأنت سند لى يا "أحمد" أنت أخي ورفيق دربي ، افتقدك كثيرا ، وصيتي لك أن تعتني بنفسك وبأخوتك وجدتك، وربي ييسر لك أمرك في الجيش وتقضي مدتك على خير ونجتمع سوياً مرة أخرى مع أسرتنا جميعاً.
وودع "محمد" أخيه بحرارة ، بعد أن اوصاه على إخوته .
أُغلقت المكالمة…
لكن أثرها بقي في القلوب.
في مصر، ساد البيت دفءٌ افتقدوه منذ سفر "محمد".
وفي "أمريكا"، شعر "محمد" لأول مرة منذ الحادث أنه ليس وحده، وأن كرسِيّه المتحرّك ليس نهاية الطريق… بل بداية رحلة صبرٍ جديدة. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق