أثار حديث عبد الفتاح السيسي مؤخرًا عن مستقبل التعليم الجامعي نقاشًا واسعًا حول مصير بعض التخصصات والجامعات التقليدية في مصر، خاصة في ظل التحولات السريعة التي يشهدها سوق العمل عالميًا. فالتصريحات ركزت على فكرة أساسية مفادها أن شكل التعليم الذي عرفناه لعقود قد لا يكون مناسبًا بالكامل لاحتياجات المستقبل.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يعني ذلك أن بعض الجامعات أو التخصصات قد تختفي فعلًا؟ أم أننا أمام مرحلة إعادة تشكيل للتعليم أكثر من كونه إلغاءً له؟
العالم يشهد تغيرًا كبيرًا في طبيعة الوظائف. فالاقتصاد الحديث أصبح يعتمد بدرجة متزايدة على التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، وظهرت تخصصات جديدة لم تكن مطروحة قبل سنوات مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني والتكنولوجيا المالية. وفي المقابل، هناك وظائف تقليدية بدأت تتراجع أهميتها أو تتغير طبيعتها بسبب الأتمتة والتطور التكنولوجي.
هذا التحول يفرض تساؤلات حول مستقبل بعض المسارات الدراسية التي كانت لعقود طويلة الخيار الأول للطلاب. فالكليات التقليدية مثل التجارة والحقوق والآداب والخدمة الاجتماعية والتربية كانت تمثل الطريق الأكثر شيوعًا للحصول على شهادة جامعية، لكنها اليوم تواجه تحديًا حقيقيًا يتمثل في ضرورة تطوير مناهجها وربطها بشكل أكبر بمتطلبات سوق العمل.
في الواقع، من النادر أن تختفي التخصصات بالكامل، لكن ما يحدث عادة هو تراجع الطلب عليها أو تغير شكلها. فكثير من التخصصات قد تستمر لكنها ستتغير من الداخل، وقد تظهر داخلها برامج جديدة تجمع بين أكثر من مجال. فمثلًا لم يعد الاقتصاد منفصلًا عن التكنولوجيا، ولا الإعلام بعيدًا عن التحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي، كما أن مجالات الإدارة والتسويق أصبحت مرتبطة بشكل كبير بالتحول الرقمي وتحليل البيانات.
الجامعات نفسها لم تعد مجرد مكان يمنح شهادة أكاديمية، بل أصبحت مطالبة بتقديم مهارات حقيقية يمكن أن يستخدمها الخريج في سوق العمل. ولهذا بدأت كثير من الجامعات حول العالم في إدخال برامج مشتركة بين أكثر من تخصص، والتركيز على التدريب العملي، والتعاون مع الشركات والمؤسسات الاقتصادية حتى يكتسب الطالب خبرة حقيقية قبل التخرج.
وفي هذا السياق بدأت تظهر مسارات تعليمية مختلفة إلى جانب التعليم الجامعي التقليدي، مثل التعليم التكنولوجي والتطبيقي الذي يركز على المهارات العملية المطلوبة في الصناعة والتكنولوجيا. كما أن فكرة التعلم لم تعد مرتبطة بسنوات الجامعة فقط، بل أصبحت عملية مستمرة طوال الحياة المهنية، حيث يضطر كثير من العاملين إلى اكتساب مهارات جديدة مع تغير طبيعة الوظائف.
الأرجح أن ما نشهده الآن ليس اختفاء للجامعات أو التخصصات بقدر ما هو تحول في شكل التعليم نفسه. فالعالم يتغير بسرعة، والاقتصاد الحديث يحتاج إلى مهارات مختلفة عما كان يحتاجه قبل عشرين أو ثلاثين عامًا.
لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل ستختفي بعض الكليات أو التخصصات؟
بل ربما يكون السؤال الأهم: هل تستطيع منظومة التعليم أن تتغير بالسرعة الكافية لتواكب عالمًا يتغير كل يوم؟
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق