لم تكن الغربة بالنسبة "لمحمد" مجرد انتقال إلى بلد جديد، بل كانت امتحانًا آخر مِن امتحانات الحياة...
فبعد أن استقر مع والديه في "أمريكا"، حاول أن يُخفي الألم وراء نشاطه اليومي، وبدأ العمل في مطبعة صغيرة، يقف يوميًا أمام ماكينة طباعة، يضغط أزرارها بإصرار، وكأنّه يطبع على أوراقها حلمه بالعودة للحياة مِن جديد.
كانت "أنعام" و"رفاعي" يسابقان الزمن، يعملان ليل نهار لتوفير كل ما يمكن مِن أجل لمّ شمل الأسرة.
كلامهما في المساء لا يخلو مِن الحسابات والأوراق الرسمية والرسائل البريدية... وأحاديث الحنين.
قالت "أنعام" لرفاعي" وهي تمسك أوراق السفارة:
– "أتمنى أن أرى"سحر" و"آمال" و"محمود" أمام عيني.
… اجتهدنا كتيراً يا "رفاعي"، لكن القادم أفضل إن شاء الله."
أجابها "رفاعي" وهو ينظر إلى صورة قديمة تجمعهم جميعًا:
– "في أقرب وقت بإذن الله تعالى يكونوا معانا، وإن طال السفر، لابد أن تجمعنا الأيام التي سرقت منا."
في "مصر"، كان "أحمد" قد عاد إلى وحدته العسكرية، بعد أن ودّع أخوته وجَدّته، وترك في البيت فراغًا خفيفًا لكنّه مؤلم.
أما "سحر"، فقد كانت قد دخلت الصف الثاني الثانوي، تخرج إلى المدرسة كل صباح في معطف طويل، ووجهها يحمل ملامح نضج سريع، فيه مِن أمّها الحنان، ومِن أبيها الصمت، ومن الغربة ألف سؤال لا يُقال.
"محمود" كان يستعد للشهادة الإعدادية، يجلس ساعات طويلة في الحجرة الصغيرة يذاكر، بينما الجدة "ذكية أم السيد"، تتنقّل بينهم بعصاها، تضع لهم الطعام، وتطمئن على كتبهم، وتمسح على رؤوسهم كأنها تزرع الأمان بيدها.
أما "آمال"، فقد التصقت بالجدة في أغلب الوقت، كأنها شعرت أن الرحيل بات قريبًا، وصوت أمها في الهاتف بدأ يُلوّح بوداع جديد.
وفي إحدى الأمسيات الشتوية، كانت "ذكية" جالسة قرب المدفأة، تقرأ جزءًا مِن "القرآن"، حين رنّ الهاتف الأرضي.
رفعت السماعة ببطء، وقبل أن تنطق، جاءها صوت "أنعام"، دافئًا كالعهد القديم:
– " طمئنيني عليكي يا أمّي....؟"
– أجابت الجدة "أنعام..!
"أنعام يا بنتي....!"
– "أنا بخير الحمد لله، كلنا بخير…
ــ قالت الجدة :
طمئنيني عليكِ وعلى "محمد و رفاعي"
ــ أجابت "أنعام":
الحمد لله يا أمي كلنا بخير
و"محمد" أستلم عمل في مطبعة، و"رفاعي" بيحاول يكمّل أوراق الأولاد."
ــ قالت أنعام طمئنيني على:
"سحر.....؟
" آمال......؟
"محمود...؟
" أحمد" عاد مِن الجيش …"
– "تعلمي يا أمّي… كم أشتاق لرؤية أولادي.
لكن أتصلت أطمئنك… وأخبرك : سأنزل "مصر" عن قريب، لأجهز أوراق الأولاد للسفر لنيويورك."
سكتت الجدة للحظة، لم تدري أتبكي أم تضحك…
قالت بصوت متهدّج:
– "سأراكِ يا ابنتي.....؟
كم أشتاق لك يا "أنعام...."؟
بعد سنتين كاملتين أخيراً....؟"
ــ قالت "أنعام":
– " كم أشتاق إليك يا أمّي،سوف أتي واراكِ وأقبل رأسك وجبينك… ونجمع العائلة، ونكمل المسيرة سويًا."
أغلقت "ذكية" الهاتف، ثم نظرت إلى "آمال" التي كانت تراقبها مِن بعيد:
– "آمال…" والدتك ستأتي."
قفزت "آمال" فرحًا:
– "حقيقة يا جدتي.....؟
أمي سوف تأتي.....؟"
– "نعم…ستأتي لتقوم بإنهاء إجراءات أوراقكم حتى تتمكنوا مِن السفر للخارج معها إلى نيويورك ، لكي تكملوا المشوار معها ويجتمع شملكم."
في تلك الليلة، جلست الجدة في صمتها المعتاد، وراحت تدعو في سرّها:
"يا رب، أجمع شملهم… وافرحني بهم قبل مرور العمر وانقضاء الآجل."
كانت فرحتها بقدوم "أنعام" عظيمة، فقد مضى أكثر مِن عامين على آخر حضن، وآخر قبلة على الجبين.
لكن قلبها كان حزينًا أيضًا… فهي تدرك أن اللقاء يعني الفراق، وأن الطيور حين تكتمل أجنحتها، لا تعود إلى العُش.
ومع مرور الأيام، أصبح البيت أكثر جدية، الدراسة تسير بإنتظام، والقلوب بدأت تتهيأ… لرحلة جديدة. بقلم عاشقة الوطن
.. سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق