د.سوهير الطويل
قراءة دينية ومجتمعية في ظلم الآباء وغياب العدالة الأسرية
لا تُقاس عدالة المجتمعات بشعاراتها، بل بممارساتها حين يحتدم الخلاف، ويُختبر الضمير. وبعد الانفصال الزوجي، يتكشّف واحد من أكثر أشكال الظلم صمتًا: مصادرة حق الأب في أبنائه، وتحويل الأبوة من رابطة إنسانية أصيلة إلى امتياز مشروط، أو دور ثانوي يُسمح به أو يُمنع وفق أهواء الصراع لا وفق مصلحة الطفل.
الأبوة في ميزان الشريعة
لم يجعل الإسلام الأبوة تابعة لقيام الزواج، ولا ربط حق الأب باستمرار العلاقة الزوجية، بل قرر مبدأ العدالة وحرّم الإضرار، فقال تعالى:
﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾
وهي قاعدة جامعة تمنع استخدام الطفل أداة للإيذاء أو وسيلة للضغط، أيًّا كان الطرف.
وقال سبحانه:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾
فجاء الأمر عامًا، شاملًا، لا يُسقِط حق أحد الوالدين بسبب خلاف أو طلاق، لأن صلة الأبناء بآبائهم حق ثابت لا يلغيه نزاع.
وفي الحديث الشريف:
«كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يعول»
والتضييع هنا لا يقتصر على النفقة، بل يشمل الحضور، والرعاية، والدعم النفسي، والمشاركة في التربية. ومن يمنع الأب من القيام بدوره، فهو شريك في هذا التضييع، وإن ادّعى غير ذلك.
الظلم حين يتخفّى في ثوب الحضانة
تحت شعار “مصلحة الطفل”، تُمارَس أحيانًا ممارسات لا تمت للمصلحة بصلة؛ يُمنع الأب من اللقاء، أو يُضيَّق عليه، أو تُشوَّه صورته في وعي أبنائه. فيتحوّل الحق إلى منّة، والواجب إلى إذن، ويُدان الأب لمجرد كونه طرفًا في انفصال.
وهنا يُظلَم الأب مرتين: مرة بحرمانه من أبنائه، ومرة بتشويه مكانته لديهم. ويُظلَم الطفل قبل الجميع، إذ يُحمَّل عبء صراع لم يختره، ويُدفع إلى صراعات ولاء تُربك وجدانه وتشوّه فهمه للعلاقات.
مقارنة تكشف المفارقة
المفارقة اللافتة أن كثيرًا من المجتمعات الغربية، رغم اختلافها الديني والثقافي، تفصل بوضوح بين العلاقة الزوجية والعلاقة الأبوية. ففشل الزواج لا يعني هناك إعدام الأبوة، ولا يُسمح – قانونيًا وأخلاقيًا – بتحويل الطفل إلى أداة انتقام. تُنظَّم العلاقة، ويُضمن حق التواصل، ويُنظر إلى الأب والأم باعتبارهما شريكين دائمين في تربية الطفل، مهما انتهت بينهما العلاقة العاطفية.
في المقابل، ترفع مجتمعاتنا شعارات الأسرة والدين، لكنها في التطبيق العملي تسمح بإقصاء الأب، وتحويله إلى “دافع نفقة” بلا صوت ولا حضور. وهنا لا تكمن المشكلة في النصوص الدينية، بل في سوء توظيفها، وفي ثقافة مجتمعية تخلط بين الحضانة والوصاية، وبين الرعاية والهيمنة.
الخلل في الممارسة لا في القيم
الشريعة التي حرّمت الظلم، ونهت عن الضرر، وأمرت بالعدل وصلة الرحم، لا يمكن أن تكون سندًا لحرمان طفل من أبيه، ولا غطاءً لإهدار أبوة كاملة. وإذا كانت مجتمعات لا ترفع راية الدين قد نجحت نسبيًا في حماية حق الطفل في والديه، فالأَولى بمجتمعاتنا أن تكون أسبق إلى العدل، لا أبعد عنه.
خاتمة
الدفاع عن حق الأب ليس خصومة مع الأم، بل انتصار للطفل، ولمعنى الأسرة، وللعدل الذي قامت عليه القيم الدينية والإنسانية. فالطلاق قد ينهي علاقة زوجية، لكنه لا يُسقط أبوة، ولا يمنح أحدًا حق مصادرة علاقة إنسانية أصيلة.
والأبناء، وإن صمتوا اليوم، سيكبرون غدًا… وسيعرفون من حاول أن يكون حاضرًا، ومن حال بينه وبينهم.
احسنتي يا دكتوره . مقال ممتاز .
ردحذف