حين دارت عجلات القطار الأخيرة على قضبان محطة "بورسعيد"، شعرت "سحر" بأن قلبها يطرق بابًا قديمًا مِن الذكرى، بابًا له رائحة البحر، ولهفة اللقاء.
كانت الشمس تميل للمغيب، تلقي ضوءها الذهبي على أسطح البيوت، وعلى النوافذ العتيقة التي ما زالت تحمل آثار مِن زمن مضى.
نزلوا مِن القطار، واحدًا تلو الآخر، تحملهم الخطى بشوقٍ غامر.
مرّت "آمال" بيديها على الدرابزين الحديدي لمحطة القطار وقالت، وقد اغرورقت عيناها بالدموع:
— "عُدنا يا "سحر"… هذه بلدنا، "بورسعيد" روحنا التي نحيا بها."
وما إن خرجوا من المحطة حتى رأوا في الشوارع آثارًا ما زالت حيّة مِن الحرب.
الجدران مثقوبة، والبلكونات متشققة، وبعض الحوائط ما زالت تحمل سوادًا بفعل القنابل.
لوّح "محمود" بيده نحو واجهة إحدى البنايات وقال بانبهار طفولي:
— "شاهدوا… الرصاص تارك علامة هنا، حتى البلكونة متكسّرة!"
أجابه "أحمد" وهو يشد بيديه حقيبته على ظهره:
— "هذه آثار العدوان يا "محمود" بورسعيد وقفت أمام الدنيا جميعاً و لم تستسلم!"
"محمد"، الأكثر هدوءًا، نظر حوله بعينين فيهما فخر وكبرياء:
— "هذه لم تكن مدينة عادية… هذه حكاية. كل شارع هنا يحمل فيه قصة نصر… وكل حجر له شهيد ضحى بنفسه مِن أجل وطنه دفاعاً عن أرضه وعرضه."
وصلوا إلى حي "القليوبية" بمدينة "بورسعيد"، وكان المنزل القديم ينتظرهم.
الباب الحديدي ما زال بلونه الأخضر الباهت، يئنّ عند الفتح كما كان يفعل.
والبلكونة العريضة تطل على الشارع، لكنها أصيبت بتشققٍ واضح مِن أثر الحرب، فيما ما زالت الجدران الخارجية تحمل آثار طلقات الحرب.
لكن رغم كل ذلك، كانت الرائحة… رائحة الدار… كما هي.
دخلوا إلى البيت، خلعوا أحذيتهم كما لو أنهم يخلعون تعب الطريق، ووقفوا لحظة في صمت.
قالت "أنعام" وهي تنظر حولها:
— "الحمد لله… عودنا إلى بلدنا، لأصلنا، وهنا سنبدأ مِن جديد."
أقتربت "آمال" منها، ووضعت رأسها على كتفها:
— "أنا هساعدك يا أمي…في ترتيب البيت ونبدأ خطوة خطوة."
ابتسمت "أنعام" ومسحت على رأسها:
— "وأنا واثقة يا بنتي مِن قدرتك على مساعدتي… أنتِ الكبيرة، وسند إخواتك."
ثم جلست الأم على الطاولة الخشبية القديمة، ونادت على أولادها، اجتمعوا حولها كأنهم في حضن واحد.
قالت الأم بأنفاسٍ هادئة ولكن حازمة:
— "نحن جميعاً بدأنا صفحة جديدة. أنا سأعود لعملي في الحي كما كنت قبل الحرب مرة أخرى.
كل واحد منكم له دور، وله حلم لابد أن يسعى لتحقيقه."
أشارت إلى "محمد" و"أحمد":
— "أنتوا في الثانوية الصناعية… لابد أن تتفوقوا.
هذه الشهادة سلاح في أيدكم.
الدنيا ليست سهلة، لكن المجتهد هو الذي يستطيع النجاح، والتقدم بتحدى الصعاب."
ثم نظرت إلى "سحر" وابتسمت:
— "وأنتِ يا "سَحر"… عليكِ الإجتهاد في دراستك.
أنتِ مجتهدة ونظيفة القلب.
أتمنى رؤيتك في المدرسة وأنت ِ مِن المتميزين."
نظرت إلى "محمود" الذي كان يُدوّر بعينيه في أنحاء البيت بدهشة لأنه كان صغير حين تركوا مدينة "بورسعيد" وقالت وهي تربت على رأسه:
— "وأنت يا صغيري، هذا بيتك. مِن هنا ستكبر، وتصبح راجل بحق."
قال "محمود" وهو يضحك:
— "لكن البلكونة تحتاج إلى صيانة يا ماما لألعب فيها واشاهد الشارع منها!"
ضحك الجميع، والضحكة الأولى في الدار كانت كأنها تُعيد الحياة بين الجدران.
قال "محمد" وهو يتلفت في الغرفة:
— "أنا سوف اقوم بعمل صيانة الكهرباء... والأسلاك المكشوفة الظاهرة ."
أضاف "أحمد":
— "وأنا سوف أساعد في تنظيف السطح… ليعود كما كان ."
كانت "سحر" تمسح الغبار عن النافذة وتقول:
— "أنا سأنظف الشباك واجعله يلمع مثل المرأة."
رفعت الأم يديها، ودعت بصوت خافت:
— "اللهم اجعل هذا البيت سَكنًا ومودة ورحمة، وأجعل لنا فيه سُترًا وسكينة."
وفي الليل، حين هدأ البيت، لم تنم القلوب.
بل ظلّوا يتقلبون بين ذكريات الماضي وخطط الغد، بين ما خسروا وما رجع إليهم، بين وطنٍ جريح وأسرةٍ تحاول أن تزرع الفرح مِن جديد…
في "بورسعيد" المدينة التي لا تنكسروستظل صامتة رغم أنف الجميع.
وعادت العائلة إلى "بورسعيد"
إلى الشوارع التي حفظت خطاهم وهم أطفال…
إلى النوافذ التي كانت تراقب غيابهم…
إلى البحر الذي انتظرهم، بصبر لا يُجيد إلاه.
وكانت العودة هذه المرة، ليست مجرد رجوع للمكان الذي تركته الأسرة بسبب حرب العدوان على مدينة "بورسعيد"، بل رجوع للهوية… وللبداية التي لم تكتمل مِن قبل بسبب دمار الحرب على هذه المدينة الباسلة حتى هدأت الأجواء وبدأوا الجميع للعودة إلى مدينتهم لإعمارها مِن جديد مرة أخرى. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق