هدأت الأنفاس في البيت الصغير بحي "القليوبية"، وغفت العيون إلا قلب الأم "أنعام" التي لا تنام أبدًا إلا ونبضها معلق باسم "رفاعي...
ذلك الرجل الذي يطوف البحار بحثًا عن لقمة عيش كريمة، تاركًا قلبه في حجر أولاده، و زوجته.
وفي منتصف الليل، دقّ جرس الباب بشكل غير معتاد.
قامت "أنعام" على عجل، وخطواتها تتسابق مع الخوف، فتحت الباب، فإذا بجارهم القديم، الحاج "سامي"، يقف أمامها بوجه واجم ونظرة ثقيلة.
— "أم محمد"... في خبر عاجل مِن الميناء... الباخرة الذي يعمل عليها الحج "رفاعي" حدث بها حريق... وسمعت عن حدوث إصابات خطيرة."
سقطت الكلمات مِن فمه كجمرٍ على صدرها، وشعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
صاحت:
— "يا ساتر يا رب... "رفاعي....؟!
أين حدث هذا.....؟
ماذا به ......؟
هل هو حي ولا...؟
أغمض الحاج "سامي" عينيه وقال:
— "لم نعلم شيئا بالتحديد... لكن بعض العاملين مِن الطاقم بالباخرة نُقلوا للمستشفى..."
استيقظ البيت جميعاً على صوتها المرتجف.
ركض "محمد" إلى الباب، وخرج يبحث عن مزيد مِن المعلومات، بينما جلست "سحر" على السلم تبكي بصوت خافت، متشبثة بثوب أمها، تقول:
— "ماما… بابا هيموت....؟!
لم أراه ثانية .....؟!"
ضمّتها الأم إلى صدرها، وهي ترتجف وتقول:
— "استغفري ربنا يا ابنتي… أبوكِ لم يمت أحس بنبض قلبه ، هذا راجل طيب… ربنا حافظه بإذن الله تعالى لنا."
كانت "آمال" تحاول أن تهدئ "محمود" الذي أخذ يسأل عشرات الأسئلة في لحظة واحدة:
— "هل هو في المستشفى....؟
مٓن معه....؟
و متى يعود إلينا.....؟
هل سيذهب للبحر تانية...؟"
وفي هذه الليلة كانت مِن أشد الليالي الحالكة التي مرت بها عائلة "رفاعي أبو بكر" حيث لم يغمض جفن لأحد.
وفي صباح اليوم التالي، كانت المفاجأة الكبرى…
طرقٌ على الباب… صوتٌ مألوف… تنهيدة مِن خلف الخشب…
فتحت "أنعام" الباب، فإذا "برفاعي أبو بكر" واقفًا… وجهه يحمل مِن الشحوب ما يكفي ليحكي وحده كل ما جرى، وعلى يده لفافات مِن الشاش الأبيض، وبعض الحروق على وجهه، وقد علاه سواد الدخان القديم.
صرخت "سحر":
— "باباااااااا!!"
أسرعت نحوه، لكن حين رأت اللفافات البيضاء والحروق الصغيرة، تراجعت فجأة مذعورة، ثم جلست تبكي في ركن الدار.
أقترب منها والدها ببطء، رغم الألم، وقال بصوته الذي لم تفقده الأيام:
— "وحشتيني يا "سَحر"... تعالى يا قلب أبوك لحضني."
لكنها ظلت تنظر إليه في صمت، وكأنها تحاول أن تفهم لماذا بدت صورته التي رسمتها في خيالها… مختلفة.
جلس "رفاعي" على الأريكة الخشبية، بينما أسرعت الأم تحضر له الماء، ومسحت على رأسه وهي تردد بصوت يغالب الدموع:
— "الحمد لله… الحمد لله إنك رجعت… حتى لو جريح… الأهم إنك عدت لنا."
قال "محمد"، وهو يجلس إلى جوار والده:
— "يا أبي، يجب عليك أن تستريح... وأترك لنا العمل، أنا سوف أعمل…و اتكفل بمصروفات البيت، وأنت لابد مِن الراحة حتى تتداوا جراحك وتسترد صحتك مِن جديد."
هزّ "رفاعي" رأسه بتقدير، وقال والدمعة في عينه:
— "نضجت يا "محمد… وأصبحت راجل البيت."
فتحدث"أحمد" و قال:
— "وأنا معاه، نساعد بعض، لا تقلق يا أبي الأهم صحتك".
لكن "سحر" ظلت في ركنها، تنظر في صمت.
كان هذا المشهد قد صدم طفولتها، زلزل صورتها الأبدية لأبيها الذي كانت تراه دائمًا قويًا، سليمًا، عائدًا محملاً بالهدايا… لا ملفوف اليدين، متعب العينين.
أقترب منها أخوها "محمود" وهمس لها:
— "أبي رجع يا "سحر… دائماً كنتِ تدعي طول الوقت بعودته إلينا....؟"
نظرت إليه، ثم نهضت، وذهبت ببطء إلى والدها، وقبلت رأسه، ودموعها على خديها بعد أن تمالكت نفسها.
همس لها والدها بصوت خافت:
— "لا تخافي يا ابنتي… أنا حي أرزق، وينبض قلبي بحبك مثل الماضي ."
في تلك الليلة… لم ينم أحد.
كانت "أنعام" تسهر إلى جوار زوجها، تنظر إلى الجرح وتعتني به وتعطي له الأدوية، وتقرأ عليه ما تحفظه مِن أدعية ليتعافى سريعاً،
وكانت "آمال" تحضر شرابًا دافئًا،
وكان "محمد" و"أحمد" يجلسان معًا، يخططان لعملٍ جديد،
أما "سحر" فقد ظلت في فراشها…
تضم دُميتها الصغيرة إلى صدرها، وتقول لنفسها:
— "أبي عاد… لكن النار كانت حقيقية لكن الله حفظه لنا."
كانت تلك الليلة بداية لمرحلة جديدة…
مرحلة صار فيها البيت أقرب لبعضه أكثر، وكأن النار التي كادت أن تفرّقهم، جمعت قلوبهم مِن جديد على قلباً واحداً لكنها مشتعلة بالحب والعطاء. بقلم عاشقة الوطن..سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق