في الليلة التي تسبق رمضان لا يشبه الوقت نفسه، كأن عقارب الساعة تمشي على استحياء، وكأن العالم كله ينتظر إشارة خفية ليبدأ طقسًا قديمًا بقدم الحنين نفسه، الشوارع التي كانت منذ ساعات فقط عادية تصبح فجأة أكثر هدوءًا وأكثر دفئًا، الأمهات يفتحن خزائن المطبخ كأنهن يفتحن ذاكرة كاملة، والآباء ينظرون إلى السماء أكثر من مرة دون سبب واضح، والأطفال لا ينامون بسهولة لأنهم يشعرون أن الغد ليس يومًا عاديًا، بل بداية قصة جديدة سيعيشونها للمرة الألف وكأنها الأولى.
رمضان ليس مجرد شهر في التقويم، بل حالة إنسانية كاملة، حالة تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه قبل أن تعيد ترتيب علاقته بالعالم، ففي اللحظة التي يؤذن فيها الفجر في أول يوم، يحدث شيء لا يُرى بالعين، لكنه يُحس في القلب، شيء يجعل الإنسان أكثر انتباهًا لكل تفصيلة، أكثر وعيًا بكل كلمة يقولها، وأكثر حرصًا على كل تصرف يصدر منه، وكأن الصيام ليس امتناعًا عن الطعام فقط بل امتناع عن القسوة، عن اللامبالاة، عن تلك القشرة التي تغطي القلب طوال العام.
في القاهرة مثلًا، يمكن أن ترى رمضان قبل أن تسمعه، الفوانيس التي تتدلى من الشرفات ليست مجرد زينة بل إعلان جماعي أن الفرح لا يزال ممكنًا رغم كل شيء، صوت القرآن الخارج من المساجد القديمة مثل الجامع الأزهر لا يبدو كصوت فقط بل كذاكرة ممتدة لقرون، نفس الآيات التي نزلت قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام على قلب محمد وما زالت حتى الآن قادرة على أن تجعل إنسانًا يقف في شرفة صغيرة في حي بسيط ويشعر أنه ليس وحده.
رمضان يعيد تعريف القوة، القوة ليست في أن تأكل متى تشاء، بل في أن تستطيع أن تمتنع، ليست في أن ترد الإساءة، بل في أن تصمت، ليست في أن تملك الكثير، بل في أن تشعر بالاكتفاء رغم القليل، ولهذا السبب تحديدًا يخاف البعض من مواجهة أنفسهم في رمضان، لأن الصيام مرآة، والمرآة لا تجامل، تكشف ضعفك وصبرك، تكشف حقيقتك دون تجميل.
الغريب أن رمضان لا يغير العالم من الخارج بقدر ما يغير الإنسان من الداخل، نفس الشوارع، نفس البيوت، نفس الوجوه، لكن شيئًا في النظرات يختلف، الناس يصبحون أكثر لطفًا دون أن ينتبهوا، أكثر ميلًا للمسامحة، أكثر استعدادًا لأن يمنحوا فرصة جديدة، كأن الجوع نفسه يذكرهم بأنهم بشر، بأنهم ضعفاء، وأن هذا الضعف هو ما يجعل الرحمة ممكنة.
وعلى موائد الإفطار تحدث معجزات صغيرة لا يلاحظها أحد، خلافات قديمة تتوقف فجأة لأن أحدهم قال تفضل قبل أن يأكل، دعوات صادقة تخرج من قلب أم قبل أن ترفع أول لقمة، أب ينظر إلى أسرته في صمت ويشعر أن كل تعبه كان يستحق، طفل يتعلم لأول مرة معنى الانتظار، معنى أن الرغبة ليست أمرًا بل اختبار.
رمضان ليس شهر المثاليين، بل شهر الذين يحاولون، الذين أخطأوا ويريدون أن يبدأوا من جديد، الذين تعبوا من أنفسهم ويريدون أن يتصالحوا معها، الذين فقدوا شيئًا ويريدون أن يجدوا معنى لما فقدوه، ولهذا السبب تحديدًا يبدو رمضان ثقيلًا على البعض وجميلًا إلى درجة مؤلمة على البعض الآخر، لأنه يوقظ أشياء نائمة داخلنا.
في الليل، عندما تهدأ الأصوات، ويقف الناس في الصلاة، يشعر الإنسان أنه أقرب ما يكون إلى حقيقته، لا أقنعة، لا أدوار، لا ادعاءات، فقط إنسان يقف ضعيفًا أمام الله، يحمل كل ما في قلبه دون خوف، وفي تلك اللحظة تحديدًا يفهم لماذا ظل هذا الشهر حيًا في قلوب الناس كل هذه القرون، لأنه ليس فرضًا فقط، بل فرصة.
فرصة لأن تعود إلى نفسك، فرصة لأن تصبح الشخص الذي كنت تؤجل أن تكونه، فرصة لأن تؤمن أن التغيير ممكن حتى لو تأخر، وأن القلب مهما قسا يمكن أن يلين، وأن الحياة مهما أثقلت روحك يمكن أن تمنحك بداية جديدة.
غدًا سيبدأ رمضان، ولن يتغير العالم فجأة، ستظل هناك مشاكل وهموم وأخبار سيئة، لكن وسط كل ذلك سيكون هناك دائمًا ذلك الضوء الصغير، ذلك الإحساس الخفي بأن هناك فرصة أخرى، وأن الإنسان ليس محكومًا بما كان عليه، بل بما يمكن أن يصبح عليه.
رمضان لا يأتي ليغير الوقت، بل ليغيرنا نحن، والسؤال الحقيقي ليس ماذا سنفعل في رمضان، بل ماذا سيفعل رمضان بنا.
خلود محمد احمد محمد
الله كلمات تشرح الصدور وتغذي العقول وتصحى القلوب وتذكر الإنسان بفضل الركوع والسجود جزاكم الله خير الجزاء وعطاكي اجرن بدون حساب
ردحذف