عاد الهدوء إلى البيت بعدما غادر "أحمد" للعمل، والبيت الذي اعتاد صوت "محمد" وضحكاته بدا وكأنه فقد جزءًا مِن روحه.
عادت "سحر" مِن مدرستها، وهي في السنة الثانية مِن المرحلة الإعدادية، يعلو وجهها أثر التعب والإنتظار.
فتحت لها الباب أختها "آمال"، وسألتها فور دخولها:
– " أين أمي يا "آمال.....؟"
أبتسمت "آمال" إبتسامة خفيفة وقالت:
– "في المطبخ يا "سحر... تحضّر الغداء."
وضعت "سحر" حقيبتها المدرسية على المنضدة في الصالة، وذهبت بخطى خفيفة نحو المطبخ، لا تدري لماذا شعرت أن شيئًا ما مختلف هذا اليوم.
كانت أمها "أنعام"، واقفة أمام الموقد، تقلب في قدرٍ صغير، بينما في الخلفية صوت الراديو يصدح بأغنية قديمة:
"سلمولي على الحبايب... سلمولي على بيتنا..."
لم تكن تُغني، كانت فقط تستمع... وتسرح.
عيناها لم تكونا تنظران إلى القدر، بل إلى شيء بعيد، شيء لا يُرى... كأنها ترى وجه رفاعي هناك في "نيويورك"، يبتسم لها، ووجه ابنها محمد ببدلته العسكرية، يلوّح مِن بعيد.
الدموع انسابت بصمت، كأنها اعتادت الإنحدار دون إذن.
دخلت "سحر" بهدوء، وقفت لحظات تنظر إلى أمها، شعرت بذلك الحزن الشفيف الذي يغلف المكان.
ثم تقدمت، واحتضنتها مِن الخلف وهي تقول:
– "لا تبكي يا أمي... والله بإذن الله سوف نتجمع تانية... وسوف يعود بابا و"محمد" ونتجمع جميعاً مثل الماضي."
إنتبهت "أنعام" لصوت ابنتها، وكأنها أستيقظت مِن حلم.
وضعت الملعقة جانبًا، وأدارت وجهها إليها، ثم ضمتها بشوق:
– "يا "سحر... كل يوم يمرّ علينا كأنه سنة... ليس مِن التعب،و لكن مِن أجل الفُقد."
وقفت "آمال" عند باب المطبخ، تتابع المشهد في صمت، ثم أقتربت مِن أمها بهدوء، وربتت على يديها:
– "لا تحزني يا أمي، نحن معكِ... يداً واحدة، لابد أن تمر هذه المحنة على خير .
صحتك عندنا أهم مِن أي شيئ أخر... إنتي تعني لنا الحياة يا أمي."
تنهدت "أنعام"، وكأنها تفرغ صدرها مِن حزن الأيام، ثم مسحت دموعها بطرف طرحتها:
– "أنا متحملة كل شيء مِن أجلكم... وأتمنى مِن الله أن أظل واقفة على قدماي حتى أساندكم... لكن أوقات بعض الأغاني تأخذني... تفكرني برائحة البيت عندما كان مليئاً بالضحك والحياة."
قالت "سحر" وهي تمسك يدها:
– "وسوف يظل مليئاً يا أمي... بوجودك، وبقوتك... وكل هذا العناء سوف ينتهي ويأتي اليوم الذي نفرح فيه من قلبنا عندما نجني جميعاً ثمار تعبنا بعد الإجتهاد في الحياة."
نظرت "أنعام" إلى ابنتيها، وفي عينيها بريق إمتنان:
– "ربي يبارك فيكم... والله ما كنت أدري كيف أعيش مِن دونكم."
وفي تلك اللحظة، لم يكن في البيت إلا دفء الأمل، وحنين الأم، وحضن البنات...
وراديو صغير ما زال يهمس:
"سلمولي على الحبايب..." بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق