بقلم: أحمد المهدي صفوت
بدأت الحكاية بكلمة، وانتهت بمصير. وقف النبي محمد ﷺ على أعتاب مكة والمدينة، يحمل للبشرية نوراً لا ينطفئ، وبين يديه دعوةٌ فرقت بين الحق والباطل، وبين من أبصر بقلبه ومن أعمته غشاوة الكبر والتبعية.
في مكة، كان المشهد تراجيدياً بامتياز؛ وقف النبي ﷺ على جبل الصفا ينادي أقرب الناس إليه، فما كان من عمه أبو لهب إلا أن شق عصا الطاعة بكلمة "تباً لك"، فجاء الرد الإلهي بسورة "المسد" التي خلدت خسرانه في الدنيا والآخرة، لتكون عبرة لكل من يقدم الكبر على صدق اليقين.
ولم يتوقف الحزن عند الجحود، بل امتد لوفاءٍ لم يكتمل بالهداية؛ فها هو أبو طالب، العم الذي حمى النبي ﷺ بدمه وجاهه لسنوات، يقف في لحظاته الأخيرة بين رجاء ابن أخيه "يا عم قل لا إله إلا الله"، وبين ضغط الرفاق السوء الذين ذكروه بملة الآباء. مات أبو طالب وهو يذود عن ابن أخيه بجسده، لكن قلبه ظل أسيراً لتقاليد قريش، ليترك في قلب النبي ﷺ جرحاً لم يندمل إلا بيقين الآية: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}.
ولكن، وسط هذه الغيوم من العناد، أشرقت شمس الحقيقة من حيث لم يتوقع الكثيرون؛ ففي المدينة المنورة، كان هناك رجلٌ يقرأ الغيب في سطور التوراة، وهو الحبر عبد الله بن سلام. لم ينتظر "ابن سلام" معجزة تشق السماء، بل بمجرد أن وقعت عيناه على وجه النبي ﷺ قال بلسان الواثق: "إن هذا الوجه ليس بوجه كذاب".
دخل عبد الله بن سلام الإسلام ليس عن عاطفة، بل عن علمٍ وبصيرة، فاختبر النبي ﷺ بأسئلة لا يعرفها إلا نبي، فلما جاءه اليقين، نطق بالشهادة دون تردد، ضارباً عرض الحائط بمكانته وحبريته وسيادته بين قومه. لقد أثبت "ابن سلام" أن العالم الحقيقي هو من يتبع الحق أينما وجده، ليكون مسك الختام في قصةٍ بدأت برسالة نبي، وانتهت بإيمان حبرٍ أنصف نفسه قبل أن ينصف التاريخ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق