ما حدث في قضية الزوج الذي قتل زوجته بأربعٍ وأربعين طعنة ثم ذبحها، لم يكن حادثة فردية، ولا حكمًا شاذًا، ولا خطأً عابرًا من قاضٍ.
ما حدث كان نموذجًا مكتمل الأركان، وعينة فاضحة من منظومة باتت تتعامل مع دم النساء بوصفه دمًا قابلًا للتخفيف، ومع القاتل بوصفه أولى بالرأفة من الضحية.
المحكمة قالت صراحة، وبما لا يقبل التأويل:
الحكم الابتدائي صحيح من حيث القانون، لكن حرصًا على مستقبل المتهم، تم تخفيف العقوبة إلى خمس سنوات.
خمسة أعوام، في مقابل جسد مثقوب بأربعٍ وأربعين طعنة.
خمسة أعوام، في مقابل حياة أُزهقت بعنف تام.
لكن السؤال الذي لم يُطرح في حيثيات الحكم:
أين مستقبل المرأة التي قُتلت؟
وأين مستقبل أطفالها؟
وأين مستقبل أي امرأة تقرأ هذا الحكم وتفهم الرسالة جيدًا؟
من صُدم من هذا الحكم، على ما يبدو، لم يتابع ما جرى قبله، لأن ما حدث ليس جديدًا، بل تكرارٌ مملٌّ لنمط صار مألوفًا.
فمنذ أسابيع قليلة فقط، قبلت محكمة استئناف الجيزة طعن زوج قتل زوجته بسبب خلاف على مائةٍ وعشرين جنيهًا.
ضربها بعصا، كسرها على جسدها، ثم خنقها بخرطوم مياه حتى فارقت الحياة.
الطب الشرعي أثبت:
كسرًا في الجمجمة،
نزيفًا بالمخ،
كدمات متعددة،
وآثار خنق واضحة.
النيابة العامة وصفت الواقعة بأنها قتل عمد مع سبق الإصرار.
الحكم الابتدائي: السجن المؤبد.
النتيجة في الاستئناف: سبع سنوات سجن.
سبع سنوات، في مقابل حياة إنسانة كاملة.
ولا تقل عن ذلك واقعة أم في محافظة قنا أقدمت على قتل ابنتها الحامل، بعد خلافات أسرية، فانهال عليها بالضرب حتى الموت.
النيابة نسبت لها القتل العمد، لكن المحكمة أصدرت في حقها سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ، واستندت في قرارها إلى “ظروف المتهمة” وكونها لم ترتكب جريمة من قبل.
وهنا يطرح السؤال نفسه:
أين حق الضحية الحامل؟
وأين حق الجنين الذي فقد والدته؟
وأين العدل في أن يُعتبر “السجن سنة مع إيقاف التنفيذ” عقوبة تليق بجريمة أنهت حياة إنسانة؟
هذه الحوادث ليست شاذة أو استثنائية… على سبيل المثال لا الحصر.
في طنطا، الطفلة فاتن، التي زُوّجت وهي في الثالثة عشرة، وأُحيلت أمام القضاء بعد أن قُتلت بسبب خلاف بسيط نجم عنه ضرب مفرط وانتهى إلى الموت.
الحكم في أول درجة: الإعدام مع الإحالة إلى المفتي.
الاستئناف: سبع سنوات.
لم تكن طفلتها مشكلة.
ولا زواجها غير القانوني.
ولا كان سبب القتل يبدو تافهًا، طبقًا لعدد الذين عرفوا تفاصيل الواقعة.
لكن الحكم نفسه في الاستئناف انتهى إلى سبع سنوات.
وفي كفر الزيات، زوج يقتل زوجته على خلفية خلافات مالية.
النيابة: قتل عمد.
الحكم الابتدائي: الإعدام.
الاستئناف: سبع سنوات.
وفي القاهرة الجديدة، نظرت محكمة الاستئناف قضية زوج طعن زوجته داخل مسكنهما بعد مشادة عائلية، فتجاوز عدد الطعنات العشرين.
الحكم الابتدائي: السجن المؤبد.
الاستئناف: السجن المشدد خمس سنوات، بدعوى “انفعال المتهم” و“انعدام الاعتياد الإجرامي”.
وفي المنوفية، زوج قتل زوجته ضربًا حتى الموت.
التقارير الطبية أثبتت نزيفًا داخليًا وإصابات متعددة.
النيابة: قتل عمد.
الحكم النهائي: سبع سنوات، بحجة انتفاء نية القتل المسبقة.
وفي الشرقية، زوج خنق زوجته حتى الموت.
الحكم الابتدائي: الإعدام.
الاستئناف: ست سنوات، باعتبار الواقعة “مشاجرة أسرية تطورت بشكل غير مقصود”.
وفي إحدى قضايا الصعيد، زوج أنهى حياة زوجته بضربات متكررة بأداة صلبة.
الحكم في الاستئناف: عامان مع إيقاف التنفيذ، مراعاةً لظروفه الاجتماعية وحاجته لرعاية أطفاله.
وعند جمع هذه القضايا معًا، لا يظهر استثناء، بل يظهر نمط واضح ومتكرر:
القاتل زوج.
الضحية زوجة أو فتاة أو امرأة في أضعف مراحلها.
العنف شديد وواضح.
التكييف يبدأ بـ“القتل عمدًا”.
وينتهي بعقوبة مخففة، أحيانًا صادمة.
اللغة القضائية قد تختلف، والحيثيات تتبدل، لكن النتيجة واحدة:
القاتل يُمنح فرصة جديدة للحياة،
والضحية تُختصر في سطر داخل ملف.
ما يحدث ليس أخطاء منفصلة، بل سياسة غير معلنة، مفادها أن دم الزوجة أقل وزنًا، وأن القاتل دائمًا له عذر، وله مستقبل، وله مبرر.
أما الضحية، فلا اسم لها، ولا حق، ولا قصاص.
الرسالة التي تصل إلى كل امرأة في هذا المجتمع واضحة وقاسية:
إذا قُتلتِ، قد يخرج قاتلك بعد سنوات قليلة، ويعود إلى حياته، بينما تتحولين أنتِ إلى رقم.
هذه ليست دولة قانون بالمعنى الحقيقي،
بل واقع مات فيه العدل،
وانتحر فيه القصاص،
وأصبح القتل جريمة قابلة للتخفيف،
طالما كانت الضحية امرأة.
والأخطر أن كل حكم من هذه الأحكام لا ينهي جريمة، بل يصنع جريمة قادمة، حين يهمس في أذن كل من يحمل عنفًا مكبوتًا:
خمسة أو سبع سنوات… ويمكن الاحتمال.
القصاص ليس انتقامًا،
بل أمان.
وحين يضيع الأمان،
يصبح المجتمع كله في خطر.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق