بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
المشكلة في معظم الاقتصادات ليست غياب الأفكار
وليست غياب رأس المال
المشكلة الحقيقية هي المسافة بينهما
في كل دولة يوجد مهندسون يفهمون أرض المصنع
وأطباء يرون أوجه القصور في الأنظمة
ورواد أعمال يلمسون اختناقات سلاسل الإمداد
وباحثون يحملون حلولاً تقنية عملية
هذه ليست أفكارًا نظرية
بل حلول نابعة من احتكاك مباشر بالمشكلة
ومع ذلك فإن أغلب هذه الأفكار لا تصل إلى السوق
ليس لأنها ضعيفة
بل لأنها لا تُترجم إلى هيكل استثماري قابل للتقييم
أصحاب الفكرة غالبًا لا يملكون القدرة المالية لبناء نموذج أولي
ولا يتحدثون بلغة المخاطر والعائد
ولا يصيغون توقعات التدفقات النقدية
ولا يعرضون ابتكارهم بالشكل الذي يستطيع رأس المال فهمه
وفي المقابل فإن المستثمرين يبحثون باستمرار عن فرص
لكن رأس المال لا يستثمر في فكرة خام
بل يستثمر في مخاطرة مُهيكلة
بين الفكرة الخام ورأس المال المُهيكل توجد طبقة مفقودة
جسر هيكلي
في البيئات المتقدمة يتم تأسيس هذا الجسر مؤسسيًا
مكاتب نقل التكنولوجيا
استوديوهات المشاريع
أذرع استثمار مبكرة
هيئات ابتكار
كيانات لا تحل محل السوق
بل تجهز الفكرة لتدخل السوق
في كثير من الاقتصادات الناشئة تظل هذه المسافة واسعة
والنتيجة ليست فقط إحباطًا فرديًا
بل خللًا اقتصاديًا بنيويًا
فقدان طاقة صناعية
فقدان وظائف
فقدان نمو إنتاجي
وفقدان زمن
على المستوى الكلي يمثل ذلك فشلًا في تخصيص رأس المال
فالاقتصاد لا يستطيع مضاعفة إنتاجيته إذا كانت الابتكارات القابلة للحياة تموت قبل هيكلتها
سياسات الاستثمار في كثير من الأحيان تقتصر على الحوافز وجذب رأس المال الأجنبي
لكن التنافسية الحديثة لا تُبنى فقط بجذب رأس المال
بل بصناعة الفرص
يمكن لوزارة الاستثمار أن تتجاوز دور توزيع الحوافز
وتتحول إلى منصة انتقال
بنية مؤسسية تقوم بفرز الأفكار مهنيًا
وتمويل مراحل دراسات الجدوى والانطلاق بشكل منضبط
وإعادة هيكلة المشاريع وفق معايير عائد واضحة
ثم عرضها على الأسواق المالية في صورة قابلة للاستثمار
هذا لا يعني أن تتحمل الدولة كامل المخاطر
ولا أن تنشئ طبقة بيروقراطية جديدة
بل يتطلب ذراعًا مهنيًا مستقلًا يعمل وفق معايير استثمار شفافة
النموذج بسيط من حيث الفكرة
استقبال المقترحات الصناعية والتقنية
تقييمها عبر لجان فنية ومالية مستقلة
تمويل مراحل التحقق الأولي والانطلاق بشكل منضبط
ثم نقل المشاريع المُهيكلة إلى رأس المال الخاص
في هذا الإطار لا يُترك المبتكر وحده ولا يبقى رأس المال أعمى
ولا تشوه الدولة السوق بل تعالج فجوة هيكلية
الخسارة الحقيقية في كثير من الدول غير مرئية
هي الموت الصامت للأفكار التي كان يمكن أن تتحول إلى صناعات
الاقتصادات الحديثة لا تنمو فقط بجذب الأموال بل بتحويل العقول إلى فرص استثمارية مهيكلة
السؤال ليس هل لدينا أفكار
السؤال هل لدينا الجسر
فكل فكرة تموت في صمت
هي صناعة لم تولد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق