في كل مرة تقع فيها جريمة عنف، لا يبدأ التبرير في قاعة المحكمة، بل يبدأ قبل ذلك بكثير
يبدأ في اللغة.
قبل أن نسأل: ماذا فعل؟
نسأل: لماذا فعل؟
وقبل أن نذكر الضحية، نبحث عن عذر للجاني.
نقول بلا تردد:
كان متعصبًا
كان مضغوطًا
لم يكن يقصد
غلط غلطة وندم
كأن هذه الكلمات لا تصف، بل تُخفف.
كأنها لا تشرح، بل تُبرر.
اللغة هنا لا تقوم بدور محايد، بل تلعب دور الوسيط الرحيم بين الفعل العنيف وضمير المجتمع.
وحين تتكرر هذه اللغة، تتحول من توصيف عابر إلى ثقافة كاملة للأعذار.
حين نقول (انفعل)، نحن نُخرج الفعل من كونه اختيارًا واعيًا، ونُدخله في خانة اللحظة العابرة.
وحين نقول (كان تحت ضغط)، نحن ننقل المسؤولية من الفاعل إلى الظروف.
وحين نقول (غلطة)، نحن نُصغّر الجريمة لغويًا، حتى وإن كانت آثارها مدمّرة.
اللغة هنا لا تكتفي بتجميل القسوة، بل تُعيد تعريفها.
تجعل العنف مفهومًا، ثم مقبولًا، ثم قابلًا للتكرار.
في ثقافة الأعذار، يحدث أمر خطير:
يتحوّل مركز الحكاية من الضحية إلى الجاني.
نسمع كثيرًا عن:
– تاريخه
– ضغوطه
– ظروفه
– مستقبله
بينما تختفي الضحية خلف جملة عابرة:
(وقع خلاف)
(توفيت متأثرة بإصابتها)
(حدثت مشاجرة انتهت بشكل مأساوي)
حتى الموت يُلطف لغويًا،
وكأن الكلمات تخشى مواجهة الحقيقة.
الأعذار لا تُبرئ لكنها تُطمئن
اللافت أن هذه اللغة لا تُستخدم فقط دفاعًا عن الجاني، بل طمأنةً للمجتمع نفسه.
حين نقول (هذا تصرف فردي)، نشعر بالأمان.
وحين نقول (هو شخص سيئ)، نُبعد الخطر عن أنفسنا.
وحين نُرجع العنف إلى الغضب أو الضغط، نُقنع أنفسنا بأننا مختلفون، وبعيدون عن الاحتمال ذاته.
لكن الحقيقة أقل راحة:
العنف لا يولد فجأة،
ولا يحتاج إلى شر مطلق،
بل يكفيه مجتمع يبرره بالكلمات.
المشكلة ليست في شرح الدوافع، بل في تقديمها بوصفها مبررًا أخلاقيًا.
الفارق كبير بين أن نفهم كيف يحدث العنف،
وأن نقبل أن يحدث.
اللغة التي تُكثر من الأعذار تُضعف فكرة المسؤولية،
وتُربك مفهوم الخطأ،
وتُرسل رسالة غير مباشرة مفادها:
(الفعل مُدان لكن فاعله مفهوم، وربما معذور).
ومع التكرار، لا تعود هذه الرسالة صادمة،
بل مألوفة.
مواجهة العنف لا تبدأ فقط بالقانون،
ولا تنتهي بالعقوبة،
بل تمر أولًا عبر اللغة التي نستخدمها يوميًا.
أن نقول: «
(اعتدى) بدل (انفعل).
و(اختار العنف) بدل (فقد السيطرة).
و(جريمة) بدل (غلطة).
الكلمات ليست بريئة.
وحين نُغيّر اللغة،
نُغيّر الطريقة التي نفهم بها الفعل،
ونُغيّر الحدود التي نرسمها لما هو مقبول وما هو مرفوض.
فالعنف لا يُبرَّر دفعة واحدة،
بل يُبرَّر جملة بعد جملة
حتى يصبح الصمت أسهل من الرفض،
والعذر أسرع من المواجهة. بقلم الدكتورة...نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق