بقلم / وليد عبدالنبي
تُعد الدراما المصرية واحدة من أبرز روافد الثقافة العربية، وليست مجرد ترفيه مرئي، بل مرآة تعكس التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي مرّت بها مصر عبر عقود. غير أن المشهد الدرامي قد شهد تغيرات جذرية خلال نصف قرن، من حيث الرؤية الفنية والمضمون والقيمة الثقافية التي تقدّمها الأعمال للمشاهد.
في هذا المقال نفتّش في الفوارق الجوهرية بين الدراما المصرية قبل خمسين عامًا (أي تقريبًا في سبعينيات القرن الماضي) والدراما المصرية المعاصرة، وذلك من منظور نقدي موضوعي.
1. السرد والموضوعات: من التمثيل الواقعي إلى الواقع المفترض
قبل خمسة عقود، كانت الدراما المصرية تتعامل مع قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية قريبة من حياة الجمهور، وتُطرح من داخل سياق اجتماعي متكامل. الأعمال التي أنتجت في سبعينيات القرن الماضي، سواء في السينما أو التلفزيون، مثل المسلسلات المبنية على أعمال أدبية أو التي تعالج قضايا طبقية وواقعية، جاءت لتُمثّل نبض المجتمع وتحدياته اليومية، وكان لها حضور عميق في الوعي الجمعي للمشاهد.
على سبيل المثال، المسلسل التلفزيوني «عودة الروح» عام 1977، المبني على رواية توفيق الحكيم، قدّم صورًا درامية تنبع من هوية المجتمع المصري وقضاياه اليومية، وكان جزءًا من ذاكرة جماعية واسعة لدى المشاهدين.
في المقابل، الدراما المعاصرة تميل إلى قصص تُنتَج وفق منطق تسويقي وسوقي بحت، حيث يُعاد إنتاج روايات وصراعات لها دلالات سطحية أحيانًا، أو تتجه نحو العوالم الراغبة في الرفاهية، أو تحقيق نسب مشاهدة عالية دون ارتباط وثيق بالواقع المعاش. وقد أشار نقّاد إلى أن بعض الأعمال الحالية تبتعد عن تصوير الواقع الطبقي بعمق، ما يُضعف تأثيرها الثقافي والاجتماعي.
2. الجمهور والتمثيل الطبقي: من «مصر» إلى «إيجيبت»
في الماضي، كانت الدراما المصرية تُمثّل مكوّنات المجتمع المصري بصورة أكثر تجسيدًا واقعية عن الطبقة الوسطى والأوضاع المعيشية لعامة الناس، فتلك الطبقة كانت محورية في السرد الدرامي، عاكسةً هموم الموظف، الأسرة، والصراع اليومي.
لكن في الدراما الراهنة، يرى بعض النقّاد أن التمثيل الطبقي توسّع نحو طبقات اجتماعية أعلى تُظهر رفاهية وعيشًا بعيدًا عن الواقع اليومي لغالبية المواطنين، ما خلق صورة درامية بعيدة عن السياق الاجتماعي الحقيقي، يتجلى هذا بوضوح في الأعمال المنتجة عبر منصات المنصّات الرقمية التي تُركّز على عوالم الرفاهية والترف، بدلًا من الطبقات المتوسطة والدنيا .
3. نقد الظاهرة وتراجع الوعي الدرامي
تشير الدراسات النقدية إلى أن الدراما المصرية ارتبطت منذ نشأتها بأثر مباشر في تشكيل وعي المشاهد، حيث أن النقد الدرامي نفسه أصبح جزءًا من التفاعل الثقافي مع الأعمال الدرامية، وقد تناولت دراسات أكاديمية مثل «قراءة تاريخية في نشأة نقد الدراما التليفزيونية في مصر» كيف أثّر التلفزيون على الوعي الجماهيري خلال العقود الماضية، ليس فقط كمنتج ترفيهي بل كأداة تغيير ثقافي وفكري.
اليوم، ينعكس تراجع الوعي النقدي على الدراما المعاصرة في شكل محتوى أقل جرأة في معالجة القضايا الاجتماعية الكبرى، وأكثر ميلاً نحو القالب الجاهز والمستسهل، ما يُضعف حضورها المؤثر في الوعي الجمعي.
4. الرقابة والحرية الإبداعية
أحد الفوارق الجوهرية بين الدراما قبل خمسة عقود والدراما الحالية يتصل بمدى الحرية المتاحة لصنّاع الدراما في تناول القضايا الحساسة. في الماضي، رغم وجود رقابة، إلا أن العمل الدرامي كان يجد مجالًا للتعبير عن الأفكار والصراعات الشخصية والاجتماعية، وكان الجمهور يرى انعكاسًا واقعياً لقضاياه.
أما في الوقت الراهن، فارتبط البعض من التحولات الإنتاجية بزيادة حدود الرقابة على المحتوى، ما يحدّ من قدرة الدراما على تناول موضوعات حساسة بعمق، ويُساهم في تقديم سرديات أقل جرأة وأكثر حرصًا على عدم تجاوز خطوط معينة.
5. التقنية واللغة البصرية
من حيث الشكل الفني، تطوّرت الدراما المعاصرة بشكل ملحوظ من حيث التقنية، التصوير، والإخراج، الأمر الذي يعطيها مزايا شكلية كبيرة مقارنة بالإنتاج الدرامي القديم، غير أن هذه المزايا غالبًا ما تكون على حساب المضمون وعمق النص الدرامي، فالاستخدام المكثف للجماليات البصرية لا يقابله نفس التوازن في جودة الكتابة والسرد الدرامي الواقعي.
خاتمة: الذاكرة والهوية مقابل السوق والرقابة
الدراما المصرية قبل خمسة عقود كانت تشتغل من داخل مجتمعها، تُجسّد همومه، وتشكّل وعيه، وتبني ذاكرته الفنية. أما الدراما الحالية فتبدو أحيانًا كمرآة مُشَوّهة، تعكس صورة لعالم درامي بعيد عن نبض المجتمع الحقيقي، يتأرجح ما بين منطق السوق وقيود الرقابة، فيما يتقلّص حضور القضايا الاجتماعية العميقة.
ومع ذلك، فإن التجارب الإيجابية لا تزال موجودة في الدراما المعاصرة، لكن يتطلب ذلك استعادة نصوص قوية، حرية إبداعية أوسع، ونقدًا فنيًا قادرًا على استعادة دور الدراما كـ«صوت المجتمع» أكثر من كونها مجرد منتج سوقي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق