د . سوهير الطويل
في عالمٍ تتبدّل فيه القيم وتُعاد فيه صياغة المفاهيم، لم يعد أكل أموال الناس بالباطل يُوصَف دائمًا بوصفه جريمة، بل صار عند البعض نوعًا من “الدهاء” الاجتماعي أو “الذكاء” العملي. غير أن النص القرآني جاء حاسمًا، قاطعًا لأي محاولة للتبرير، حين قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾،
ليضع قاعدة أخلاقية كبرى، لا تخضع لزمن ولا لثقافة ولا لظروف اقتصادية.
أكل الحقوق: مفهوم أوسع من السرقة
أكل أموال الناس بالباطل لا يقتصر على السرقة الظاهرة، بل يمتد ليشمل كل استيلاء غير مشروع: الغش، الرشوة، التلاعب في العقود، بخس الأجور، أكل الميراث، استغلال النفوذ، وخيانة الأمانة.
وقد كشف القرآن خطورة هذا المسلك في أبلغ تصوير حين قال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾،
وهو وصف لا يتحدث عن المال في ذاته، بل عن أثره التدميري في النفس والوجود.
خيانة الأمانة: انهيار من الداخل
الأمانة في المنظور الإسلامي ليست مالًا فحسب، بل مسؤولية، ووظيفة، وكلمة، وسلطة، ووعد.
ولذلك جاء الأمر الإلهي صريحًا:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾.
فحين تُخان الأمانة، لا يُنتهك حق فرد واحد فقط، بل تُصاب منظومة القيم كلها بالتآكل.
وفي الحديث النبوي دلالة شديدة العمق حين قال رسول الله ﷺ:
«لا إيمان لمن لا أمانة له»،
في إشارة إلى أن الإيمان ليس طقوسًا تُؤدّى، بل سلوك يُمارَس، وأن خيانة الأمانة تُفرغ التدين من جوهره.
العقوبة الدنيوية: حين يُعجَّل الحساب
قد يظن الظالم أنه نجا إذا أفلت من المساءلة القانونية، لكن القرآن يكشف عن نوع آخر من العقوبة، غير المكتوبة في القوانين:
﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
فتُنزَع البركة من المال، ويحل القلق محل الطمأنينة، ويعيش الإنسان صراعًا داخليًا دائمًا مهما بدا ناجحًا في الظاهر.
ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله:
«إن العبد ليُحرَم الرزق بالذنب يُصيبه»،
ليصبح المال الذي جُمع ظلمًا سببًا للضيق لا للراحة.
العقوبة الأخروية: عدالة لا تقبل التحايل
حقوق العباد لا تسقط، ولا تُغفَر إلا بردها أو المسامحة فيها، وهو ما يجعلها من أخطر الذنوب.
وقد حذّر النبي ﷺ تحذيرًا صريحًا فقال:
«مَن كانت له مظلمة لأخيه من عرض أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم».
وفي تصوير بالغ القسوة لمآل الظالم، قال ﷺ:
«أتدرون من المفلس؟… من يأتي يوم القيامة بحسنات، ويأتي وقد ظلم هذا وأخذ مال هذا… فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته»،
حيث لا تنفع المبررات، ولا تُقبل الأعذار.
الظلم سبب سقوط المجتمعات
التاريخ الإنساني يثبت أن المجتمعات لا تنهار بسبب الفقر، بل بسبب الظلم.
وقد قرر القرآن هذه الحقيقة في صيغة قانون كوني:
﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾.
فحين يصبح أكل الحقوق سلوكًا شائعًا، تفقد المجتمعات تماسكها، وتنهار الثقة، ويغيب الأمان.
الأمانة طريق النجاة
إحياء قيمة الأمانة ليس خطابًا وعظيًا، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية.
وقد لخّص النبي ﷺ هذا المبدأ في قاعدة أخلاقية سامية:
«أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
فالأمانة ليست رد فعل، بل التزامًا ذاتيًا يحمي الفرد والمجتمع معًا.
خاتمة
أكل أموال الناس بالباطل ليس ذكاءً، بل قِصر نظر أخلاقي.
وخيانة الأمانة ليست مهارة، بل لعنة صامتة تمتد آثارها في الدنيا، ويُكشف حسابها كاملًا في الآخرة.
وما بين مالٍ بلا بركة، وحسابٍ بلا مهرب، يبقى العدل والأمانة الطريق الوحيد للنجاة وبقاء المجتمعات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق