استفاق البيت على غير عادته…
صوت الأب "رفاعي" يفتح الدولاب الخشبي العتيق، يطوي بدلته الرمادية بعناية، يلتقط أوراقه، يضعها في حقيبته السوداء التي التصقت به كظله طوال سنوات العمل.
كان الصباح ثقيلاً… الشمس تتسلل بخجل مِن نوافذ الصالة، والهدوء الذي يسبق العاصفة يخيم على المكان بأكمله.
جلست الأم "أنعام" على طرف الأريكة، تراقب حركات زوجها بصمتٍ يختلط فيه الرضا بالحزن.
هي تدرك أن هذا السفر ليس نزهة... إنه قرار العمر. مغامرة متأخرة لرجلٍ شاخ على عتبة المسؤولية، لكنه لا يزال يركض خلف الحلم لمستقبل أفضل.
دخل "محمد"، الإبن الأكبر، وقد بدا جادًا أكثر مِن المعتاد.
أقترب مِن أبيه، ووقف بجواره كأنه يتأمل الملامح قبل أن تغيب.
قال "رفاعي"، وهو يغلق الحقيبة:
– "محمد"، يا ابني...
أشار له أن يجلس جلس الاثنان، والكل ينظر إليهما.
– أنت رجل البيت مِن بعدي...لم تكن كبير في السن، بل في العقل أيضاً.
– فقال:
"محمد" حاضر يا أبي.
فقال له :
"رفاعي"– يجب عليك أن تكون حنون على إخوتك... أنت الأخ الأكبر لهم، انتبه مِن حوارك معهم ولا تجرح أحد... الكلام أحيانًا هو الذي يهدم الجدار أو يبنيه مِن جديد.
نظر في عينيه وقال:
– تذكر دائمًا أن رجل البيت ليس بأمر...رجل البيت بلغة حواره وتفهمه مع أفراد أسرته.
سقطت دمعة مِن عيني "أنعام"، ومسحتها سريعًا بطرف طرحتها، كأنها لا تريد أن يراها أحد.
قالت بصوتٍ متهدج:
– أنت تارك لنا سند يا "رفاعي مِن صلبك....
– لم أترككم يا "أنعام"، سأذهب لأحقق الحلم... و نتجمع إن شاء "الله" على خير مِن جديد.
دخل "أحمد" و"محمود" و"سحر"، يتزاحمون حول الحقيبة، كلٌ يريد أن يضع له شيئًا صغيرًا.
– خذ هذه يا بابا، هذه صورتي وأنت ماسك بيدي وأنا صغير، ضعها في جيبك.
قالها "محمود"، وهو يدس الصورة في يد أبيه.
ضحك "رفاعي" بحرارة:
– يا مجنون... الصورة هذه هي التي تحميني في الغربة.
"سحر"، الصغيرة ذات القلب الكبير، كانت تلتصق بأمها، عيناها مليئتان بالدموع دون أن تبكي.
أما "آمال"، الأخت الكبرى، فكانت واقفة خلف الكل، شامخة، ولكنها هشة مِن الداخل.
أقتربت مِن أبيها، وطوقته بذراعيها:
– اعتني بصحتك يا بابا...
فرد عليهم "رفاعي.....
– وأنتم أيضاً....لأنكم نور هذا البيت يا أولادي.
رنّ جرس الباب سواق التاكسي أمام البيت الذي اتفق معه "رفاعي" أن يوصله إلى المطار.
لحظة فاصلة… الكل يتحرك، الكل يودع، لكن لا أحد يستطيع أن يصف ما يشعر به.
وقف "رفاعي" على باب الشقة، ونظر للخلف...
البيت كما هو، لكنه لم يكن كما كان.
الحوائط تحفظ أصواتهم، والأرواح معلّقة ما بين الرحيل والرجوع.
فتح الباب ومشى...
ووراءه "سحر" تركض فجأة وتهتف:
– بابا...!
استدار، انحنى، فاحتضنها:
– سوف تكتبين لي كل الذي يحدث معك، يا "سحر....؟
– سوف أكتب لك يا بابا، لكن عليك الرجوع لنا سريعاً فلا تطل غيابك عنا يا أبي.
– سوف أعود... وأقرأ كل شيء كتبتيه .
ثم غاب رفاعي خلف الباب.
وغاب معه جزء مِن البيت. بقلم عاشقة الوطن..سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق