بقلم / وليد
لا يمكن إنكار أن الدراما الرمضانية المصرية تمثل أحد أكثر أشكال التأثير الثقافي حضورًا في الوعي الجمعي؛ فهي تدخل البيوت يوميًا، وتُشاهد من مختلف الفئات العمرية، وتتحول – بمرور السنوات – من مجرد وسيلة ترفيه إلى أداة تشكيل غير مباشر للقيم والسلوكيات. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تقوم هذه الدراما بدورها التنويري؟ أم أنها تُعيد إنتاج أزمات المجتمع بدلًا من تفكيكها؟
العنف بوصفه مادة درامية أساسية
تُلاحظ هيمنة واضحة لمشاهد العنف اللفظي والجسدي في عدد كبير من الأعمال الرمضانية، حيث يتم تقديم الصراع الإنساني غالبًا في صورته الأكثر قسوة: سباب، ضرب، تهديد، انتقام، وهيمنة. المشكلة لا تكمن في تناول العنف بوصفه ظاهرة اجتماعية تستحق التحليل، بل في تطبيعه وتحويله إلى سلوك يومي مألوف، يُقدَّم أحيانًا باعتباره طريقًا مشروعًا لفرض القوة أو استعادة الحق.
هذا النمط من التناول يُسهم – دون وعي – في إعادة تشكيل خريطة القيم لدى المشاهد، خاصة الأطفال والمراهقين، فيتعلمون أن الصوت الأعلى هو المنتصر، وأن القوة الجسدية أو اللفظية أداة حسم، لا فشل أخلاقي.
تشويه العلاقات الإنسانية
تعاني العلاقات الأسرية في كثير من الأعمال من اختزال مُخلّ؛ حيث تُقدَّم الأسرة غالبًا كساحة صراع دائم، يغيب عنها الحوار، وتسيطر عليها الخيانة أو العنف أو الاستغلال. الأم مُنهكة، الأب غائب أو متسلط، والزوجة إما ضحية دائمة أو طرفًا في صراع قاسٍ.
ومع التكرار، تتحول هذه الصور إلى نموذج ذهني لدى المتلقي، فيبدأ في التعامل مع العلاقات الإنسانية بمنطق الشك والصراع لا التفاهم والاحتواء.
اللغة السوقية وتسويق الانحدار
من أخطر ما يلفت الانتباه هو التوسع في استخدام لغة حادة ومبتذلة تحت دعوى “الواقعية”. الواقع، مهما كان قاسيًا، لا يحتاج دائمًا إلى إعادة إنتاجه حرفيًا، بل إلى معالجة فنية راقية تُبرز أزماته دون أن تُغرق المشاهد في مستنقعه.
فاللغة ليست مجرد أداة حوار، بل وعاء قيم، وحين تُقدَّم السوقية بوصفها طبيعية، تصبح العدوانية اللفظية سلوكًا مقبولًا اجتماعيًا.
غياب البعد التربوي والمسؤولية المجتمعية
الدراما، بحكم انتشارها وتأثيرها، ليست معفاة من المسؤولية الأخلاقية. لا يُطلب منها أن تكون وعظية أو مثالية، لكن من حق المجتمع أن يتوقع منها حدًا أدنى من الوعي بتأثيرها النفسي والسلوكي.
ففي موسم يُفترض أنه يرتبط بالروحانيات والتماسك الأسري، يُفاجأ المشاهد بسيل من النماذج السلبية دون موازنة حقيقية أو تقديم بدائل إنسانية ناضجة.
نحو دراما تُصلح لا تُفاقم
النقد هنا لا يستهدف الإبداع، بل يدافع عنه. فالمجتمع المصري زاخر بقصص إنسانية عميقة، وبصراعات حقيقية يمكن تناولها بذكاء فني دون تسطيح أو إثارة رخيصة. نحن في حاجة إلى دراما:
تكشف جذور العنف بدل تمجيده
تُعيد الاعتبار للحوار بدل الصدام
تُنصف الإنسان دون تزييف أو قسوة مفرطة
فالدراما، حين تُحسن قراءة المجتمع، تصبح أداة وعي وبناء، لا مجرد مرآة مشروخة تعكس أسوأ ما فينا. بقلم المؤلف والسيناريست..وليد عبد النبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق