مرت الأيام ثقيلة في بيت "أنعام"، كأنها تُساق على مهلٍ بأقدامٍ متعبة.
"رفاعي" ما زال في "نيويورك" يحاول التكيف مع عالم غريب، يرسل رسائل قليلة متقطعة، لكن بها أمل.
و"محمد "غاب فجأة، ودخل في زمنٍ آخر لا يعرفونه، زمن العسكر والإنضباط والحياة الصارمة.
كان البيت هادئًا أكثر مما يجب...
"أنعام" أستسلمت لنظام يومي صارم تصحو باكرًا، تُجهّز الإفطار لأحمد و"سحر"، تُراجع ما تحتاجه "آمال" في المطبخ، تساعد "محمود" على ارتداء زي المدرسة... ثم تجلس وحدها تنتظر المساء.
"سحر" غارقة في الكتب، تحاول أن تحقّق شيئًا يُرضي أمها،
و"أحمد" صار صلبًا، أقسى على نفسه، يخرج فجراً للعمل ويعود متعبًا، و"آمال" صارت امرأة صغيرة تتنقل في البيت بخفة وهدوء،
أما "محمود"، فقد وجد في أختيه ملاذًا، يتعلم منهما دروس المدرسة، ويشعر أن بيته مستمر رغم الغياب.
وفي مساء يومٍ خريفي هادئ،
دقّ جرس الباب دقة مترددة، كأن مٓن يطرقه لا يريد أن يُزعج أحدًا.
خرجت "أنعام" لتفتح، وهي تمسح يديها في طرف مريولها،
فتحت الباب...
وكان هو.
"محمد".
واقف ببدلته العسكرية، نحيلًا أكثر مما كان، وحالق شعره مع شحوب وجه ، لكن في عينيه ذلك البريق الذي لم يفارقه.
تسمرت "أنعام" في مكانها للحظة، ثم شهقت بصوتٍ مرتعش:
– "محمد....؟!"
ابني.....!!!
رد وهو يبتسم بحياءٍ مجروح:
– "أنا يا أمي... إجازة بعد قضاء فترة التدريب الأربعين يوماً إنتهيت منها، وأتيت لأطمن عليكم..."
لم تنتظر "أنعام" أكثرولم تتحمل.
إرتمت عليه تحتضنه، كأنها تحاول أن تضم الفراغ الذي خلفه الغياب.
ضمته بقوة، ودموعها سالت على كتفه، تهمس:
– "وحشتني يا ولدي... قلبي كان يؤلمني مِن غيابك عني...
أربعين يوم ما رأيتك...أنت لم تفارقني منذ جئت إلى هذه الحياة ."
قال "محمد "وهو يحاول إحتباس الدموع:
– "أنا الذي كنت أحتاجك يا أمي... كل يوم في مركز التدريب كنت أعدّ الساعات لتمر الليالي الحالكة والأيام مِن أجل العودة لكم لأطمئن عليكم ..."
دخل "محمد" إلى البيت وسط دهشة وفرحة الجميع.
"أحمد" هرع إليه وأحتضنه بعنف الرجولة والأخوة، "سحر" أوقفت الكتاب، وجرت نحوه تنادي:
– "أخي عاد...!
محمد عاد.....!"
حتى "محمود"، رغم صغره،أندفع يركض إليه، وصاح وهو يضحك:
– "أنا نجحت في الإملاء يا "محمد...!"
ضحك "محمد" وربّت على رأسه:
– "برافو عليك يا بطل... أنت أفرحتني كتيراً يا "محمود."
أما "آمال" وقفت عند باب المطبخ تمسح يديها، تنظر إليه بدهشة وسعادة، قالت له:
– "نورت البيت يا "محمد... كان ينقصنا ضحكتك وتجمعنا معك."
جلسوا جميعًا حوله، كل واحد يحكي له عن شيء:
"محمود" عن المدرسة،"سحر" عن امتحاناتها،"آمال" عن وصفات جديدة تعلمتها في المطبخ.
"أحمد" عن صعوبة الشغل،
و"أنعام" تنظر إليه كمن عاد مِن الموت، لا تقاطعه، فقط تملأ عينيها بوجهه.
قال "محمد" بعد أن سكتوا:
– "دائماً كنت أخشى أن تتغربوا داخل البيت مع بعضكم ... لكن الحمد الله أنتم أقوى، وأجمل...
أنتم سندي في هذه الدنيا ."
قالت "أنعام" وهي تمسك يده:
– "ونحن سنظل ننتظرك كل إجازة لتأتي ونتجمع جميعاً...
كل إجازة لك عيداً في البيت،
وكل خطوة لك بركة يا ولدي."
كان الليل قد أرخى سدوله، لكن بيت "أنعام" لم يعرف النوم في تلك الليلة مِن فرحة عودة الغائب.
كان "محمد" قد عاد، وعاد معه الأمل،والضحكة...والصوت الدفء. بقلم عاشقة الوطن..سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق