في تلك الليلة، بعد أن تناولوا العشاء مجتمعين على مائدة واحدة لأول مرة منذ شهرين، جلس الجميع في الصالة، لا أحد يريد أن يذهب للنوم.
كانت نظراتهم مُعلقة بمحمد، وكأنهم لا يصدقون أنه معهم فعلًا، وأنه لن يختفي فجأة كما اختفى من قبل.
جلست "أنعام" على الأريكة وبجانبها "محمد"، يلفه وشاح صوفي خفيف كانت قد حاكته له في ليالٍ طويلة مِن الانتظار.
قالت له بهمس فيه حنان وقلق:
– "حدثني يا ولدي... قلبي كان يؤلمني كثيراً عليك... كيف مرت عليك هذه الأيام أثناء فترة التدريب الأربعين يوماً ....؟"
تنهد "محمد"، ونظر نحو السقف كمن يستدعي الصور مِن بعيد، ثم قال:
– "يا أمي... الجيش ليس مثل أي شيء ولا يقارن بشيء...
أول أسبوع مر على أحسست أني أترميت في عالم لم أعرفه... صوت الصفارة وقت الفجر للإستيقاظ، الصريخ، التدريب، العقاب على أي غلطة، قسوة القادة...
وتعلمنا أيضاً السير مثل الآلة، نأكل بسرعة، وننام بسرعة، ونصحى بسرعة...
لكن أكتر شيئاً ألمني... الوحدة وأنا بعيداً عنكم."
أقترب "أحمد" وجلس على الأرض أمامه:
– "هل أنت لم تتأقلم على هذا الوضع....؟"
هز "محمد" رأسه:
– "الموضوع ليس تأقلم يا "أحمد... أحاول أن أكون قوي، لكن أوقات أحس أن قلبي ضعيف...
تعودتُ على البيت، على أمي و التجمع معكم ، على ضحكتك أنت و"سحر"، على كلام "آمال" في المطبخ، على "محمود" عندما يضحك معي ويتسلق فوق أكتافِ يا "أحمد...
وهناك، كل هذا بعيد... وأنت وسط عالم غريب عنك لم تعرفه مِن قبل، كل مجند جاء مِن مكان مختلف عن الآخر، وكل مجند له همّ يحمله بداخل صدره ، ولا أحد يدرك ما بك مثل أهل بيتك."
قالت "آمال" وهي تمسح دموعها سريعًا:
– "لكن أنت قوي يا "محمد... دائمًا ."
أبتسم "محمد" إبتسامة باهتة:
– "أحاول أكون قوي...
لكن عندما تأتي ليلة مِن الليالي وأنا مرهق ومكسور، وأفكر أبي بعيد، وأنا بعيد ولم أستطيع التحدث معكم... وأنتم جميعاً هنا، أشعر كأني وحيد."
أقتربت "سحر" وجلست بجانبه وهي تمسك يده:
– "لكن نحن معاك يا "محمد... حتى إذا كنت بعيد... نحن ندعي لك كل يوم."
نظر "محمد" إلى أمه وقال:
– "طمنيني على أبي.....؟
صحته جيدة .....؟
هل يتصل بكم.......؟"
نظرت "أنعام "إلى الأرض ثم قالت يا ولدي:
– "آخر مرة أتصل بنا، كان صوته فيه مرهق...
قال أنه يعمل كتيراً ، ووسط اليوم يقف ساعات طويلة في شدة البرد داخل المصنع، والليل هناك قاسي جداً...
قال أنه يشعر بالوحدة رغم الزحمام داخل أمريكا، وإنه عندما يعود إلى غرفته ينام وبيده صورتنا...
لكنه يقول دائمًا:
‘لن أعود إلا عندما أكون بنيت مستقبل مشرف لكم.’"
نظر "محمد" إلى الأرض وقال:
– "نحن جميعاً يا أمي...
كل واحد يحارب في مكانه...
أنا أحارب في الجيش...
والدي يحارب في الغربة...
وأنتِ تحاربِ الوحدة والهم بمفردك...كان الله في عونك يا أمي."
قال "أحمد" بصوت واثق:
– "سوف تمر هذه الأيام يا "محمد...
أنا بحاول أعمل بكل ما أقدر عليه لسد إحتياجات أمي حتى لا ينقصها شيء ،و"سحر" و"آمال" يشاركون في عمل البيت معاً،نحن فريق عمل واحد... لا أحد بمفرده نحن يداً واحدة ."
ضحك "محمود" فجأة وقال:
– " أنا أيضاً معكم في الفريق.....؟"
ضحك الجميع مِن قلوبهم، لأول مرة منذ شهرين، ثم مدّ "محمد" يده، وجذب أخاه الصغير إليه وقال:
– "أنت الكابتن للفريق يا "محمود.""
وفي صمت اللحظة، كانت القلوب متراصة،كلٌ منهم في مكان مختلف، لكن الحُب جمعهم،
الغائب في "نيويورك"، و"محمد" في معسكر بعيد داخل الجيش،
والأم التي تُضيء البيت بدموعها، و الإخوة الذين يكبرون قبل أوانهم.
لكن الحب، دائمًا، هو ما يربط الأطراف كلها بخيط لا يُرى. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق