السبت، 28 فبراير 2026

بعض الحروب تُدار في غرف التخطيط !!!!قبل أن تُرى على شاشات الأخبار !!!!

بقلم : ماهر حسن مفتاح 
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي 
 وما نراه اليوم ليس فقط صراعًا عسكريًا بل نتيجة تراكم حسابات خاطئة داخل نظام دولي شديد الترابط أوروبا بنت نموذجها بعد الحرب العالمية الثانية على افتراض أن الاعتماد المتبادل خاصة في الطاقة يقلل احتمالات الصدام وأن التجارة يمكن أن تكون ضمانة استقرار أكثر فاعلية من الردع التقليدي لكن صدمة 2022 كشفت أن الاعتماد غير المُدار يمكن أن يتحول من عنصر توازن إلى مصدر هشاشة الاتحاد الأوروبي كان يستورد قبل الحرب نحو أربعين في المئة من احتياجاته من الغاز من روسيا وفي بعض الدول كانت النسبة تتجاوز النصف وعندما انقطع جزء كبير من هذه التدفقات قفزت أسعار الغاز في مراكز التداول الأوروبية إلى مستويات قياسية تجاوزت عشرة أضعاف متوسطاتها التاريخية وارتفعت أسعار الكهرباء والصناعة معها وتراجع إنتاج قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة في ألمانيا وإيطاليا وهولندا واضطرت الحكومات إلى حزم دعم تجاوزت مئات المليارات لتخفيف أثر الصدمة على الأسر والشركات وفي الوقت نفسه ارتفع الإنفاق الدفاعي في أوروبا بنسب كبيرة وأعلنت دول عدة خططًا لإعادة التسلح بما يضيف أعباءً مالية طويلة الأجل هذه التحركات لم تكن نتيجة اعتبارات أخلاقية بل نتيجة إعادة تسعير للمخاطر لكن كلفة إعادة التسعير لم تتوقف عند حدود أوروبا الولايات المتحدة التي كانت أقل تعرضًا للطاقة الروسية وأكثر قدرة على تصدير الغاز الطبيعي المسال استفادت من ارتفاع الطلب الأوروبي وارتفعت صادراتها من الغاز إلى مستويات غير مسبوقة كما تدفقت رؤوس الأموال نحو الدولار والسندات الأمريكية باعتبارها ملاذًا آمنًا في بيئة يسودها عدم اليقين ما عزز موقعها المالي في المقابل تحولت الصدمة إلى موجة عالمية عبر قنوات الغذاء والطاقة والتمويل فارتفاع أسعار الطاقة رفع كلفة إنتاج ونقل الغذاء وأسهم في زيادة أسعار الحبوب والأسمدة وتعرضت دول عديدة في الجنوب العالمي لضغوط مزدوجة من تضخم مستورد وارتفاع في كلفة خدمة الديون مع صعود أسعار الفائدة العالمية وتراجع العملات المحلية واضطرت حكومات إلى تقليص إنفاق اجتماعي أو طلب دعم من مؤسسات مالية دولية ما عمق هشاشة مجتمعات لم تشارك في قرار الحرب ولا في حسابات التحالفات في نظام عالمي مترابط لا تبقى كلفة الصدمة حيث تبدأ بل تنتقل وفق موقع كل دولة في هيكل الطاقة والمال والتجارة والقدرة التفاوضية من يملك عملة احتياطية يمتص جزءًا من الصدمة ومن يعتمد على الاستيراد والدين يتحمل نصيبًا أكبر من التعديل الخطأ لم يكن أخلاقيًا بل حسابيًا ومؤسسيًا تمثل في افتراض أن بيئة مستقرة يمكن أن تستمر دون إعادة تقييم مستمر للمخاطر وأن الاعتماد المتبادل كافٍ لردع التصعيد لكن عندما انهار هذا الافتراض تحولت الطاقة إلى أداة ضغط وتحول التكيف إلى عبء موزع عبر القاعدة الاجتماعية داخل أوروبا وعبر الأطراف في النظام الدولي السياسة تُصاغ في القمم لكن فاتورتها تُسدد في القاعدة وغالبًا في أماكن أبعد من مكان اتخاذ القرار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot