بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
ما يحدث الآن لم يعد مواجهة محدودة بل اختبار ضغط لنظام عالمي شديد الترابط عندما يمتد التصعيد إلى شرايين استراتيجية مثل ممرات الطاقة والقواعد العسكرية والمضايق البحرية فإن عدم اليقين لا يبقى إقليميًا بل يتحول إلى عامل بنيوي مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي بل آلية تسعير للطاقة العالمية وعندما تهتز الثقة في استقراره تتغير علاوات المخاطر فورًا تتحرك عقود النفط الآجلة تعيد شركات التأمين حساب التعرض تعيد خطوط الشحن تقييم المسارات وتتسع فروق عوائد السندات في الاقتصادات الأكثر هشاشة قبل صدور أي بيان رسمي
وعندما تتداول الأنباء حول استهداف قواعد عسكرية أو قيادات عليا فإن رد فعل الأسواق لا يتعلق بالأيديولوجيا بل باستمرارية الحكم واستقرار سلاسل الإمداد رأس المال لا ينتظر التأكيد بل يسبق الاحتمال السيولة الدولارية تميل إلى الانكماش الأصول الآمنة تستقبل التدفقات عملات الأسواق الناشئة تتحمل الضغط ومؤشرات التقلب تبدأ في عكس الاحتمال لا اليقين
الشرق الأوسط في هذه اللحظة ليس مجرد ساحة توتر عسكري بل عقدة مركزية في بنية الطاقة والتجارة والانتقال المالي عالميًا أي تهديد لتدفقات هرمز ولو مؤقتًا يمتد أثره إلى تكلفة الوقود وسلاسل الإنتاج وتسعير الغذاء وتوقعات التضخم وتوازنات المالية العامة في الدول المعتمدة على الاستيراد أوروبا اختبرت بعد 2022 كيف يمكن أن تتحول الاعتمادية من عنصر استقرار إلى مصدر هشاشة والسؤال الآن هل النظام العالمي مستعد لصدمة مركبة أم أن إعادة التسعير ستأتي مرة أخرى بعد وقوع الضرر
سوء الحسابات الاستراتيجية نادرًا ما يتحمل تكلفته من اتخذه وحده بل تنتقل عبر هرم العملات وشبكات التجارة وهياكل الدين في الاقتصادات التي تصدر عملات احتياطية تمتص السيولة جزءًا من الصدمة أما الاقتصادات المعتمدة على التمويل الخارجي فتكون المعايرة أكثر حدة وأثقل اجتماعيًا السياسة تُدار في غرف القمم لكن التكلفة تتوزع على مجتمعات بعيدة عن طاولة القرار
هذه اللحظة لا تتعلق فقط بالصواريخ أو الحدود بل بهشاشة نظام تحت ضغط عندما تتفتح قنوات تصعيد متعددة في وقت واحد الطاقة والعسكر والمال والرواية تتسارع سرعة انتقال الاضطراب في الجغرافيا السياسية الحديثة غالبًا ما تكون أول ساحة معركة هي الميزانية العمومية وعندما يتراكم عدم اليقين أسرع من قدرة الدبلوماسية على احتوائه فإن النظام العالمي لا ينكسر فجأة بل يعيد تسعير نفسه دقيقة بعد دقيقة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق