خلال السنوات القليلة الماضية، بات الشعور العام أن العنف في المجتمع المصري يتصاعد بوتيرة مقلقة.
قضايا قتل، اعتداءات أسرية، عنف في الشارع، وحوادث كانت في السابق تمرّ بصمت، أصبحت اليوم مادة يومية للنقاش العام.
لكن السؤال الجوهري ليس: هل نسمع عن العنف أكثر؟
بل: هل العنف نفسه ازداد، أم أن ما ازداد هو ظهوره للعلن؟
قبل سنوات، كانت كثير من وقائع العنف تُحل داخل الجدران المغلقة:
داخل الأسرة، أو الحي، أو القسم، أو حتى في صفحات الحوادث دون صدى واسع.
اليوم تغيّر المشهد لثلاثة أسباب رئيسية:
التوثيق الفوري
الهاتف المحمول حوّل كل شاهد إلى ناقل للحدث.
الواقعة لا تنتظر محضرًا رسميًا كي تُعرف، بل تُنشر في لحظتها بالصوت والصورة.
السوشيال ميديا كساحة عامة
ما كان يُعد “حادثًا محليًا” أصبح في دقائق قضية رأي عام.
الانتشار لا يخضع لأهمية الواقعة بقدر ما يخضع لقدرتها على إثارة الصدمة.
تحرر الضحايا نسبيًا من الصمت
في بعض أنواع العنف، خصوصًا العنف الأسري، أصبح الإبلاغ والتوثيق أكثر حضورًا من السابق، حتى لو ظل أقل من الواقع الفعلي.
رغم غياب نشر سنوي شامل ورسمي لكل جرائم العنف، فإن تقارير الرصد المستقلة – خاصة المتعلقة بالعنف الجسيم – تعطي مؤشرات لا يمكن تجاهلها.
منذ عام 2022، تشير هذه التقارير إلى:
تسجيل ما يقارب ألف حالة عنف جسيم سنويًا في بعض الفئات (خصوصًا العنف الأسري والقتل داخل المحيط العائلي).
وجود زيادة ملحوظة في عدد الحالات الموثقة في 2024 مقارنة بـ2022 و2023.
أن جزءًا من هذه الزيادة ناتج عن تحسن الرصد والتغطية، لكن جزءًا آخر يعكس وقائع حقيقية لم تكن تُرى سابقًا.
بمعنى أدق:
لسنا أمام وهم كامل صنعته الكاميرات،
ولا أمام انفجار مفاجئ بلا جذور،
بل أمام تراكم بدأ يظهر للسطح.
العقل البشري لا يقيس الظواهر بالأرقام، بل بالتكرار البصري.
حين يرى الإنسان مشاهد العنف يوميًا، حتى لو كانت متفرقة جغرافيًا وزمنيًا، يشعر أنها تحيط به.
السوشيال ميديا لا تنقل الواقع كما هو،
بل تضغطه في زمن قصير،
فتجعل أحداث شهر كامل تمر أمامك في يوم واحد.
وهنا يحدث الخلط بين:
زيادة الوقائع
وزيادة الإحساس بالوقائع
وكلاهما مؤثر، لكنهما ليسا الشيء نفسه.
هل هذا يعني أن القلق مبالغ فيه؟
ليس بالضرورة.
حتى لو افترضنا أن جزءًا من الإحساس سببه التغطية،
فإن تكرار أنماط معينة من العنف،
وتشابه السيناريوهات،
وظهور نفس المبررات الاجتماعية،
يشير إلى خلل أعمق من مجرد “ضجيج إعلامي”.
الخطر الحقيقي ليس فقط في عدد الجرائم،
بل في تطبيع العنف،
وفي اعتياد المجتمع سماعه دون أن يتوقف طويلًا أمام أسبابه. بقلم. دكتورة.....نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق