السبت، 28 فبراير 2026

بين نيويورك... والبيت القديم


جلس "رفاعي" على طرف السرير الحديدي في سكنه المتواضع بحيّ "بروكلين"، يحتضن جوّاله بيدٍ فيها مِن التعب ما يكفي لكتابة سطرٍ عن الغربة، وفي عينيه لمعة حنينٍ تُحاول أن تُخفيها رجولته الصعيدية المعتادة وهو ينظر إلى صور أولاده وزوجته.

سمع صوت أخيه "عزيز" يناديه ودخل عليه الغرفة ، بدا عليه الشيب وقد خالط لحيته، وعيناه الواسعتان ما زالتا تحملان دفء العائلة رغم سنوات الغربة الطويلة "لعزيز" .

قال "عزيز" وهو يبتسم:
ــ "ماذا بك يا "رفاعي"، هل معك مشكلة في العمل.....؟"

رد "رفاعي" بإبتسامة مُجهدة:
ــ "تمام يا "عزيز"، كل الأمور على أكمل وجه... لكن برتّب أموري مِن أجل حضور "أنعام" والأولاد معي هنا."

اتسعت إبتسامة "عزيز" وهو يهز رأسه:
ــ "واحدة واحدة يا "رفاعي... عندما ترتب سكنك وتظبط وضعك أولاً، "أمريكا" ليست بهذه السهولة.

لك صدقني عندما يجتمع شملكما سوف تشعر بالدنيا بتضحك لك."

هزّ "رفاعي" رأسه في صمت، وقلبه يموج بألف شعور.

في البيت العتيق، حيث جدران الطين تعكس دفء الزمن، جلست "أنعام" على الأرض، تلف الغطاء حولها وقد إجتمع أولادها الثلاثة حولها في ليلة مِن ليالي الشتاء.

قالت وهي تنظر إلى "سحر" الصغيرة:
ــ "عمكم "عزيز"، شقيق والدكم، ساكن في "نيويورك" منذ زمن... مِن وقت أيام الستينيات، سافر وهو شاب وكان عنده حلم كبير، ومِن يومنا هذا وهو هناك."

رفعت "سحر" حاجبيها الصغيرة بدهشة:
ــ " أنا لم أراه مِن قبل يا ماما.....؟ 
نعم يا "سحر" هو سافر قبل ما تأتي على الدنيا يا .....؟"

ضحكت الأم بحنان ومسحت على شعرها:
ــ "تخيلي يا "سحر"، سافر قبل ولادتك بكتير...مِن الممكن  كان والدك صبي صغير عندما غادر عمك "عزيز".

تدخل "أحمد"، وقد بدأ يخطّ على حائط الغرفة أحلامًا أكبر مِن عمره:
ــ "نفسي أسافر مثل عمي "عزيز... وأبني مستقبلي هناك... في "نيويورك."

نظرت إليه الأم طويلًا، ثم قالت بصوتٍ فيه رجاء وحنو:
ــ "بالهدوء يا "أحمد... كل شىء  يأتي بالصبر... أمامك جيش، وبعدها ربنا يفتحها عليك، ويكتبلك الخير أينما كان."

في مكانين بعيدين... "رفاعي" يرتب طريقًا جديدًا، و"أنعام" تحفظ الحكايات كي لا تضيع ملامح العائلة مِن ذاكرة الأبناء.

وفي قلب "سحر" الصغيرة، ظلّ اسم "نيويورك" يدور كنجمة بعيدة، لم ترَ عمّها، لكنّها بدأت تحسّه... وتنتظر يومًا، قد يجمعهم اللقاء.       بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot