السبت، 21 فبراير 2026

موائد الترف وموائد الشرف في غزة

بقلم: أحمد المهدي صفوت
بينما يرفع أطفال غزة أكفّ الضراعة إلى السماء، لا طلباً لشهوات الدنيا، بل رغبةً في كسرة خبزٍ يابسة تكسر حدة صيامهم الذي بدأ منذ شهور، تمتدُّ أمام "المسؤولين" وبعض "المشايخ" في عالمنا العربي موائدُ تمتدُّ كأنها قطعة من الجنة، لكنها في الحقيقة قطعةٌ من عار.
تخمةُ البطون وعمى البصيرة
إنه المشهد السريالي الذي يصفع وجه الإنسانية كل مغرب؛ أصنافٌ وأشكالٌ من الطعام، ما لذَّ منها وطاب، "مقبلاتٌ" تكلفتها تعيل مخيماً كاملاً، و"حلوياتٌ" تُرمى في سلال القمامة تكفي لإنقاذ أطفالٍ ماتوا هزلاً في الشمال. كيف يستسيغ هؤلاء طعم الشواء، ورائحة الموت والبارود تزكم أنوف جيرانهم في الدم والعقيدة؟ كيف تمرُّ "القطايف" في حناجرهم، وغزة تتجرع مرارة الفقد والجوع؟
مشايخُ "فقه الموائد"
أما أولئك الذين يعتلون المنابر وشاشات التلفاز، فيتحدثون عن فضائل الصيام وعظمة الصبر، ثم يسارعون إلى موائد "الإفطارات الرسمية" الفارهة، فقد باتوا يمثلون انفصاماً نكداً بين القول والفعل. يتحدثون عن "جسد الأمة الواحد" وهم أول من بتر الأطراف بصمتهم وانغماسهم في حياة الرفاهية. هل الصيام في قاموسكم هو مجرد انقطاع عن الطعام لساعات، ثم الانقضاض على ما لذَّ وطاب، بينما الأمة تنزف؟ ألم يبلغكم قول النبي ﷺ: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم"؟
رمضانكم "استعراض".. ورمضانهم "جهاد"
المفارقة المؤلمة أن هؤلاء المسؤولين جعلوا من رمضان موسماً "للاستعراض" الاجتماعي والسياسي خلف الموائد المستديرة، بينما جعل منه أطفال غزة موسماً "للجهاد" بالبطون الخاوية. إن الفرق بين مائدتكم ومائدتهم، هو الفرق بين "الترف" و"الشرف".
إن التاريخ لن يرحم، والذاكرة لن تنسى تلك الصور؛ صور الكروش التي تضخمت بالصمت والخذلان، وصور الأجساد التي نحلت في غزة لترسم ملامح العزة. رمضان ليس مائدة، بل هو موقف.. فأين مواقفكم من طعامكم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot