أشرقت شمس اليوم الجديد على بيت عائلة "رفاعي أبو بكر" بأملٍ جديدٍ يتسلل في الأرواح... "محمد" و"أحمد" نزلا مبكرًا إلى السوق، خطواتهم واثقة، وعيونهم تلمع بالإصرار. كانت أول تجربة فعلية لهما في العمل الحر بعد شهور مِن المساعدة والتعلّم.
"محمد"، كما عهدته الأسرة، يحمل قلب رجل منذ صغره.
كان يعرف كيف يساوم، وكيف يقرأ الوجوه.
أما "أحمد"، فكان ظلّ أخيه في السوق، يراقب، يتعلم، ويتدرب على المسؤولية بصمتٍ يشبه الرجولة المبكرة.
وفي منتصف النهار، خرج "رفاعي أبو بكر" مِن المنزل بقميصٍ نظيف وعينين واثقتين.
لم يكن ذاهبًا إلى البحر هذه المرة، بل إلى الحياة.
تجول في شوارع بورسعيد كأنه يعود للحياة بعد غيبوبة طويلة.
رأى رجالا على الرصيف يفرشون بضائعهم خضار، أدوات، ملابس بسيطة، و تبادلهم كلمات عن الأسعار والربح.
وقف للحظة يتأمل... ثم أقترب من أحدهم وقال:
– "شغل مثل هذا، ماذا يحتاج .....؟"
أبتسم الرجل:
– "هذا شغل الرجال، ووجهك يحمل خير."
وبدأ "رفاعي" مِن جديد... لكن على الأرض، لا على الموج.
في ذات الوقت، كانت "سحر" تعود مِن المدرسة، حقيبتها تتأرجح على ظهرها، وقلبها يفيض بحنينٍ قديم.
دخلت المطبخ، حيث كانت "أنعام" تفرم الملوخية وتُغني بهمس، أقتربت منها، وضعت الحقيبة جانبًا، واحتضنتها مِن الخلف برفق:
– "يا أمي..."
التفتت إليها بإبتسامة:
– "نعم يا نور عيني....؟"
همست "سحر" بصوتٍ ناعم:
– "هل مِن الممكن زيارة الحاجة "حسنة.....؟
و نذهب لمحافظة "سوهاج" ونرى أقاربنا ونطمئن عليهم...؟ أنا كل ما أغمض عيني، أرى أختي "آمال" وهي بضع لي الأكل في الطبق، وأشم رائحة الطبخ في بيت الحاجة "حسنة."
توقفت الأم للحظة، ومسحت يديها في المريول، نظرت إلى ابنتها نظرة طويلة:
– "اشتقتِ إلى بلدنا يا "سحر....؟
– "جداً يا أمي... أحس قلبي يشدني إلى هناك.
أريد رؤيتهم، و أتذكر المكان واسترجع طفولتي."
تنهدت "أنعام"، وربتت على خدها بحنان:
– "يا ابنتي، الوطن لا يغيب مِن القلب... لكن لابد أن تبني ذكريات أيضاً وأصدقاء."
سكتت قليلاً، ثم أضافت بصوت يشبه الوعد:
– "لكن أوعدك يا "سحر... إن تفوقتي بدرجات عالية هذه السنة ، أوعدك نسافر في الإجازة الصيفية نزورهم ونفرّح الحاجة "حسنة" بنجاحك."
قفز قلب "سحر:
– "عن جد يا أمي....؟
نسافري سوياً....؟!"
– "أنا وعدتك يا "سحر"، وجميعاً... نسافر، لنطفىء الشوق ونسترجّع الذكريات."
في تلك اللحظة، شعرت "سحر" أن السماء أقرب، وأن حب الأم يمكن أن يعبر بها كل الطرق، حتى طرق الحنين.
وفي المساء، عاد "محمد" و"أحمد" منهكين لكن بوجهين يضيئان بالحماس، ودخل "رفاعي" بعدهما، يحمل كيسًا فيه عنب وليمون وبعض الحكايات الجديدة.
جلسوا حول الطاولة، وتبادلوا الأحاديث عن البيع والشراء، عن الزبائن، وعن الأسعار، حتى قالت "أنعام" فجأة:
– "رفاعي...
– "نعم يا "أنعام...؟
– "أنا وعدت "سحر" وعد...
ضحك "رفاعي" وهو يقشّر تفاحة:
– "وأنا أتحمّل نتائجه...؟"
قالت "سحر" بسرعة:
– "إن تفوقت هذه السنة ، سنسافر نزور "الحاجة "حسنة" و"سوهاج...!"
نظر "رفاعي" إليها، ثم إلى "أنعام"، وقال:
– "وهل نحن نحتاج لسبب لزيارة صعيد مصر...؟
و"الله" نزورها حتى مِن غير موعد لكن بشرط..."
– "ما هو الشرط يا أبي....؟ سألت "سحر".
– "تأتي لى بشهادة مشرفة تلمع في الشمس مِن التفوق...!"
ضحك الجميع، وفي قلب "سحر" كانت الذاكرة تستعد للرحيل مرة أخرى… لا إلى الماضي، بل إلى حنينٍ جميل… موعده الصيف. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق